أشرف أبوجليل يكتب : شعر البادية المصرية ضوء شحيح يكسر جدار التهميش

أشرف أبوجليل يكتب : شعر البادية المصرية ضوء شحيح يكسر جدار التهميش

——————

تتمركز القبائل البدوية المصرية التي لا تزال تحافظ على موروثها اللهجي والشعري في تسع محافظات هي مطروح والبحيرة والفيوم والمنيا وشمال وجنوب سيناء والشرقية وقنا وأسوان وتنتشر بعض القبائل ولكن بكثافة أقل في محافظات الغربية وبني سويف وغرب الإسكندرية وكفر الشيخ والاسماعيلية وجنوب الجيزة

وإذا كان العالم العربي قد اطلع علي تجارب شعراء العامية المصرية عبر الأغاني والدواوين والنشر في الدوريات لشعراء لهجتي الصعيد والوجه البحري ، فإنه لم يقرأ قصيدة واحدة من شعر أبناء البادية منشورة في أي دورية مصرية واسعة الانتشار ، فهل معنى ذلك أن البادية المصرية تخلو من الشعراء ؟

الحقيقة عكس ذلك تماما ، فأهل البادية هم أهل الشعر ، يقوله الجميع رجالا ونساء وشبابا ، يتناقلونه بينهم ويحفظونه عن ظهر قلب ويعبر عن كل أحوالهم ويحفظ تاريخهم وعاداتهم ، ومعظم مفرداته فصيحة وتعود الي لهجات القبائل العربية القديمة في شبه الجزيرة العربية وهي لهجة قبائل محافظات شمال وجنوب سيناء والشرقية وجنوب الجيزة أو الى لجات قبائل استقرت في الشمال الإفريقي كما في لهجات قبائل مطروح والبحيرة والفيوم والمنيا ولكنها تعاني التهميش في النشر العام لأدب البادية على مدار عقود متوالية على الرغم من وجود شعراء كبار بها يظهرون في مهرجانات الشعر الشعبي بالدول العربية مثل الجنادرية في المملكة العربية والسعودية ومهرجان الشعر الشعبي بالامارات ومهرجان دوز بتونس وغيرها

ويثمن شعراء البادية ما قامت به هيئة قصور الثقافة بمصر من عشر سنوات فقط – من تأسيس 11 ناديا لشعراء البادية ، ستة منها في سيناء ومطروح وخمسة في البحيرة والشرقية والفيوم والمنيا وأسوان وتضم قرابة 150 شاعرا خلاف مئات آخرين لم ينضموا بعد لهذه الاندية من هذه المحافظات ومحافظات أخرى مثل الوادي الجديد والبحر الاحمر والغربية والاسماعيلية والجيزة والاسكندرية

وقد استطاعت أندية شعراء البادية منذ تأسيسها في طرح شعراء البادية علي الساحة فنشرت ما يقارب 15 ديوانا من سلسلة النشر الإقليمي لهم ، وشارك ممثل عن كل ناد في مؤتمر أدباء مصر ومؤتمرات الاقاليم وسافر بعضهم للمشاركة في المهرجانات العرية ممثلا لمصر

ويعود الفضل في تأسيس نوادي أدب مطروح  لمجموعة من المخلصين لشعر البادية منهم الشاعر الكبير قدورة العجني صاحب أكبر رصيد من الكتب القيمة عن بادية مطروح وهو صاحب أول ديوان شعري باللهجة البدوية المصرية بعنوان سهاري ميعاد وله معجم كبير لشعراء البادية صدر الجزء الاول منه وضم قصائد 175 شاعرا بدويا من كل المحافظات وفي انتظار الجزء الثاني وله كتاب الثورة المنسية عن نضال أهل مطروح في مواجهة الانجليز 1915 وله كتاب ضم فيه رباعيات أهل البادية التي تتشابه مع رباعيات ابن عروس وله كتاب عن السيرة الهلالية باللهجة البدوية وشارك في كثير من المؤتمرات الأدبية

ويشاركه الدور التاريخي الباحث حمد خالد شعيب وهو من قدم ديوان قدورة للنشر وله عدة كتب تتناول تراث مطروح وهو باحث بأطلس الفلكلور وشغل مدير عام الثقافة بمطروح لفترة وشارك في العديد من المؤتمرات الادبية

ومل كان ذلك ليتم لولا تفهم رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة الاسبق الشاعر سعد عبد الرحمن لقضيتهم واتخاذه القرار باعتماد لائحة لأندية البادية تزيل الظلم التاريخي الواقع عليهم

ويضم نادي أدب مطروح نخبة من كبار الشعراء منهم  سعداوي القطعاني ، جويده عباس السمالوسي ، عوض سعد الجبيهي ، احمد مشري ، عبد العال العوامي ، منصور لعميري ، الحاج مستور الجابوصي ، بدر حسين المغواري ، سالم المغواري ، منعم بو مطير ، محمد بريوة الفردي ، قاسم الجراري

أما في المنيا فقد لعب الإعلاميان أبو الفتوح البرعصي واحلام بو نوارة الدور الأبرز في تأسيس نادي شعراء بادية المنيا ونشرت أحلام ديوانها الأول في الشارقة العام الماضي بعد مشاركتها في مهرجان الشعر الشعبي ونشر النادي ديوانا للشاعر فتحي بو قشقش الذي يعد أبرز الاصوات الشعرية في المنيا

وقد أسس الشاعر علاء الرمحي ومعه نخبة من الشعراء نادي بادية الفيوم وعلاء من أهم شعراء البادية المصرية يكتب الشعر البدوي والنبطي معا وهو مالم يتحقق لشاعر بدوي غيره ويضم النادي عددا من الشعراء احمد عبدالله صادق الرمحي و سيف عبدالغني محمود العياط وعبد العظيم سعداوي صالح و الباحث الدكتور أيمن عبد العظيم صاحب خمسة كتب عن تراث الفيوم

وقد أسس الشاعران سلطان هليل الشامان و سليم الحويطي نادي أدب بادية بلبيس بالشرقية ولا يزال النادي يعمل ويشارك أعضاؤه في المهرجانات في مصر وخارجها ونشروا ديوانا لأحد أعضاء النادي ويضم النادي أبوعدنان الرياشي وسليمان كليب الشامان وآخرين

وكان آخر الاندية في التأسيس هو نادي شعراء الكف والنميم بأسوان وأسسه الشاعر فيصل الموصلي من عامين وشارك في مهرجان شعراء البادية المقام بالشرقية 2019

ولسبب مجهول توقفت مهرجانات شعراء البادية التي كانت تقام سنويا في مصر في أكتوبر احتفالا بأعياد انتصارات أكتوبر وإبريل احتفالا بأعياد تحرير سيناء وخفت صوتهم ونأمل الأ يخفت ، وأن يستمر تواجدهم الفعال في الحركة الادبية

 الشعر البدوي لا يسير على نهج عروضي أو موسيقي واحد ، وإنما يختلف طبقا لمنطقته الجغرافية فنجد المنطقة الشرقية ويمثلها بدو سيناء ومنطقة قناة السويس يتشابه شعرهم مع الشعر الشعبي في دول الخليج وهو امتدادهم اللهجي والقبلي الطبيعي حيث يستخدمون البحور المركبة و البحور الكاملة وتقل البحور المجزوءة بينما شعراء المنطقة الغربية في مطروح والبحيرة والفيوم والمنيا نجدهم أقرب الى بناء القصيدة في الشمال الإفريقي ( ليبيا وبلاد المغرب العربي ) من حيث استخدام البحور المجزوءة ذات الإيقاع السريع والبحور ذات التفعيلة القصيرة مثل المتدارك ، ومخبون المتدارك وتتنوع القوافي متأثرين بالموشحات التي انتقلت اليهم موسيقاها من الاندلس

أما المنطقة الجنوبية في أسوان وبلاد النوبة فيسود نمط هجين بين النوعين الأولين وهذا ناتج عن أن القبائل في الجنوب هي خليط فعلا بين المشارقة والمغاربة لكنهم أقرب في الأداء الموسيقي والتقفية من شعر المنطقة الغربية حيث يستخدون التصفيق  بالكف وحدة إيقاعية يبنون شعرهم عليها كما يقوم فن النميم ( وليس النميمة ) على السجال اللحظي والارتجال بين الشعراء ويكون الجمهور حكما بين الشعراء

بنية القصيدة البدوية هي ذات البناء الجاهلي حيث تتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة ولابد من المطلع الغزلي او مناجاة الديار ثم يدلف الى الموضوع في لغة وصفية شديدة الدقة وينهي قصيدته بالصلاة على النبي وبعض الحكمة

(الشعر ديوان العرب) مقولة أطلقها دارسو الأدب عن الشعر الجاهلي ، فقد نقل لنا الشعر الجاهلي أيام العرب وحياتهم . ورصد لنا رجالهم ودورهم وإذا كانت الحياة المدنية الحديثة قد تطورت بها أدوات تسجيل الوقائع ، ومن ثم تراجع دور الشعر في تسجيل الوقائع التاريخية ليحل بدلاً منه الكتاب المطبوع ، والجريدة والوثائق المرئية والمسموعة وغيرها من أدوات تسجيل الأحداث ، فإن الحياة البدوية لايزال يلعب الشعر البدوي دور الراصد والناقل لكل ما يدور في حياة هذه الشريحة الإجتماعية ، بل تعدي ذلك لتسجيل ما يدور في مجتمعهم الأكبر ، فحتى الثلاثين عاماً الأخيرة من القرن العشرين كانت معظم نجوم وقرى البدو في محافظات مطروح والبحيرة والفيوم والمنيا، تخلو من الكهرباء ، وبالتالي لا تسمع هذه القري عن وسائل الإعلام من تلفاز وغيره ونادراً ما يكون في القرية جهاز راديو لإستقبال البث الإذاعي ، وكانت الصحف لا تعرف طريقاً لهذه النجوع والقرى ، ومن هنا لم يكن هناك لديهم إلا الشعر والشعراء لينقلوا لهم ما يدور في الوطن الأم مصر ، من أحداث ويلونوها برؤيتهم البدوية ، وما يتفق مع عادتهم وطبائعهم في الحرية ورفض الاحتلال .

 وقد استطاع الشعر البدوي أن يكون الراصد التاريخي لكل ألأحداث الكبرى التي وقعت في القرن العشرين في مصر وواكب التحولات السياسية وأرخ لها ، وكان هو الأداة الإعلامية تارة والأداة المعرفية تارة أخرى ، بل أحياناً  أداة تحريضية نحو تبني وجهة نظر معينة .

وقد رصد الشعر تاريخ القبائل بمصر وأصولها القبلية كما رصد العادات والتقاليد وحث على التحلي بالعادات البدوية الأصيلة وانتقد التحولات الاجتماعية التي تقلل من الحضور الأدبي للبادية

كما لعب شعر البادية الدور الترفيهي لجمهور لا يعرف شيئا عن التلفاز أو السينما والمسرح بل حتى الإذاعة المسموعة لم تكن متاحة للجميع ومن هنا تحول الشاعر ايضا الي مؤسسة للترفيه بسرد القصص والموعظة الدينية والاجتماعية بل وسرد الشعر الفكاهي الذي يسخر من بؤس الحياة وتقشفها ومن بعض العادات التي كانت تسبب في أزمات اجتماعية

قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏وقوف‏‏

قد يهمك أيضا

على الفيشاوي حكاوي ومصرنا أسرار .. ملحمة مصرية تاريخية شعرية ، للشاعر صلاح يوسف دراسة كتبها : نبيل مصيلحي