عتبات البهجة في اكتشاف لعبة المسرح بقلم: أحمد عبد الرازق ابو العلا

في نشرة (الرواد) (1) التي كان يُصدرها قصر ثقافة دمياط في السبعينيات – نشرت مقالي الأول في مجال نقد العرض المسرحي، وكان عن عرض (نمرة 2 يخسر) الذي أعده الكاتب (عبد المنعم عبد الحميد) شقيق كل من المخرجين المسرحيين (حلمي سراج وفوزي سراج) عن النص الفرنسي (يأجوج ومأجوج) تأليف الكاتب (جبريل آرو)>
وكان عنوان المقال (حقا نمرة 2 يخسر) في العدد الثاني الصادر في شهر يوليو 1979 (2). وأود في هذا السياق أن أتحدث عن نقطتين: الأولى: ما يتعلق بنشرة الرواد، والثانية: ما يتعلق بالظروف المحيطة بكتابة المقال نفسه. أولاً: فيما يتعلق بالنشرة (الرواد) كانت تُطبع بطريقة (الأستنسل) وهي طريقة بدائية تُستبدل بما يُسمى الآن “فرخ الزنك”، وكان أيامها يُسمى (ورق الحرير) الذي تتم الكتابة عليه بحروف الآلة الكاتبة، ثم يتم إدخاله في ماكين.
يُطلق عليها البالوظة – على ما أعتقد – لتخرج الصفحات مطبوعة بنفس حروف الآلة، وتكمن مهارة الطابع حين يتحكم في مقدار حبر الطباعة، لتكون الأوراق واضحة بعد طباعتها، فلا يبهت فيها الحبر أو يثقل سمكه بما يُعيق عملية القراءة نفسها. كانت تلك النشرة من أقدم النشرات الأدبية في أقاليم مصر.
وأتذكر أن الإصدار – الذي ضم المقالة المذكورة – صدر في مرحلة جديدة بدأت في تلك الفترة، حين كان (محمد عبد المنعم إبراهيم) مديراً للقصر، وكان يملك طموحاً طاغياً لتنشيط العمل الثقافي في فترة كانت طاردة للمثقفين، وأعني بها فترة حكم السادات، الذي كان على خلاف دائم معهم، إلا من آمنوا به وبأفكاره.
في تلك الفترة، صدرت (الرواد) -في إصدارها الجديد- لتواصل مسيرتها بعد توقف طويل. وقام الصديق الراحل الكاتب المسرحي (محمد الشربيني) بإخراج العدد فنياً، وقام بتلوين غلافه، عدداً عدداً بألوان أقلام (الفلوماستر)!!.
وكنا في تلك الفترة، مع عدد آخر من المثقفين نملك الرغبة في الاستمرار، ومقاومة كل ما من شأنه إضعاف إرادتنا. في العدد المذكور تقرأ أعمالاً لكل من (محمد غندور- محمد الشربيني- محمد النبوي سلامة- محمد أبو سعدة- سمير الفيل- محمد الزكي) بالإضافة إلى المقال الذي ذكرت أنه الأول لي في مجال نقد العرض المسرحي.
ثانياً: فيما يتعلق بالمقال نفسه: لماذا قمت بكتابة هذا المقال تحديداً، ولم أكن مهيأ لممارسة النقد المسرحي التطبيقي في تلك الفترة، وكنت أكتب الشعر والقصة القصيرة؟ – كانت الحركة المسرحية في دمياط -ومنذ الستينيات.
حركة مزدهرة، وقوية، وملفتة للنظر، قدمت فيها فرقة دمياط القومية المسرحية (3) أعمال خالدة، في الستينيات منها (ملك القطن من إخراج نبيل الألفي-
ست البنات تأليف أمين يوسف غراب ومن إخراج نور الدمرداش-
عسكر وحرامية من تأليف ألفريد فرج ومن إخراج سعد أردش-
الغريب من تأليف محمود دياب ومن إخراج ماهر عبد الحميد الذي أخرج مسرحية الفخ لألفريد فرج)
وبعدها جاءت أعمال السبعينيات:
(حالة طوارئ التي كتبها نبيل بدران، وأخرجها حلمي سراج.
ثم بغل البلدية تأليف يسري الجندي، وإخراج عباس أحمد).
واستمرت العروض المسرحية مع تلك الفرقة، بلا توقف، وتناوب على إخراجها عدد من المخرجين:
(محمود شركس- حلمي سراج- حافظ أحمد حافظ- محمد توفيق).
واستمرت أيضاً على أيدي مخرجين آخرين منذ الثمانينات حتى اليوم، ومنهم بالإضافة إلى من ذكرتهم (ناصر عبد المنعم- فوزي سراج- سمير زاهر- أحمد عبد الجليل- رأفت سرحان- محمد ناصف- محمد الشربيني- سمير العدل- رشدي إبراهيم وآخرين).
ما أود أن أقوله في هذا السياق، أن الحركة المسرحية كانت مزدهرة في دمياط، وكانت انعكاساً لازدهار المسرح المصري – في تلك الآونة – بفضل جيل الستينيات من المؤلفين والمخرجين والممثلين من أعضاء الفرقة.
صحيح أنني لم أشاهد أعمالها الأولى، وكنت طفلاً صغيراً، لكنني أتذكر محاولتي تسلق باب المسرح القومي حتى أستطيع مشاهدة مسرحية (عسكر وحرامية) من إخراج سعد أردش التي قدمتها الفرقة عام 1967، ولم أتمكن – ساعتها – من دخول المسرح، بسبب الحارس الذي منع دخول الأطفال (4)!! في السبعينيات.
شعرنا بانتكاسة أصابت كل شيء بما في ذلك المسرح، وكنا نشعر باستياء كبير من سيطرة بعض المسرحيين على أحوال المسرح في دمياط، مما تسبب في انهياره – هكذا كنا نؤمن – ولأن روح الشباب تجنح للتمرد، تمردنا بسبب حب المسرح والرغبة في إصلاح أحواله.
أتحدث بضمير الجمع لأن هذا كان حالنا نحن شباب المسرحيين (محمد الشربيني – محمد غندور – رأفت سرحان – مجدي الجلاد – سمير الفيل).. وكتب “محمد الشربيني” عن تلك الفترة، قائلاً (5):
(كان حال المسرح في دمياط لا يسر، وبعد تبديد فرقة المسرح القومي وضمها إلى قصر الثقافة، استمرت العروض على وتيرة واحدة، عروض يُطلق عليها بحق المسرح الميت، هي في الغالب عروض موسمية، لا تناقش قضايا حقيقية، ولا يتفاعل معها الجمهور، وتنتهي لكي يستعد أصحابها لتقديم موسم آخر ميت) ويواصل في مكان آخر من شهادته (كان معظم المخرجين القادمين من العاصمة
لكي يقدموا خبراتهم في فنون المسرح لأبناء الفرقة، لا يبتعدون عن هذا المسرح الميت، الذي لا تشغله قضايا المجتمع، بقدر ما تشغله أفكار شكلية ومسطحة عن المسرح الجماهيري وشعوبية المسرح، إلخ هذه الطنطنات الفارغة، وهم يهربون دائماً متلحفين بعباءات التراث الشعبي، والأعمال التي تريد أن تقول على استحياء ضمن الرموز، والألغاز والغموض الذي يكتنف معظم عروضهم -ولا أقول كلها-.
في تلك الفترة، التي انعكس فيها تمردنا على السائد، أذكر حين جاء إلى دمياط المخرج الراحل (حافظ أحمد حافظ) متأبطاً تحت ذراعه نصاً كتبه صديقه المخرج المسرحي (عباس أحمد)، وكان اسمه (فتح عينك تاكل ملبن).
وعادة يأتي المخرج المركزي من العاصمة متأبطاً نصاً تحت ذراعه، يفرضه على الفرقة، بدون دراسة إمكانياتها فنياً وبشرياً، وكان هذا السلوك هو المسيطر على أحوال المسرح في تلك الفترة، وما يزال مسيطراً حتى الآن!! وكم من الجرائم التي ارتكبت في حق المسرح الإقليمي بسبب هذا السلوك، الذي يكون دافعه الأساسي هو الاتفاق الذي يتم بين المخرج والمؤلف، خاصة حين أصبح للتأليف أجرٌ -ولم يكن له من قبل هذا الأجر-، ومع تعاظم أجور المؤلفين المتعاملين مع مسرح الثقافة الجماهيرية، أصبحت العلاقة بين المخرج والمؤلف تقوم على النفعية، وكان من نتائجها تلك النمطية التي أصابت المسرح في مقتل.
المهم.. جاء المخرج (حافظ أحمد حافظ) متأبطاً النص المذكور تحت ذراعه، وطرحه أمام أعضاء الفرقة القومية بقصر الثقافة، وكنا نجلس أنا ومحمد الشربيني في هذا الاجتماع، على الرغم من أننا لسنا أعضاء في الفرقة، ولم يجد (حافظ أحمد حافظ) أحداً يناقشه غيرنا، ورفضنا في نهاية المناقشة هذا النص.
بعد أن قرأناه- لأننا رأينا أنه ليس مناسباً للفرقة، وطلبنا منه نصاً آخر نقوم بمناقشته معه، يكون متوافقاً مع إمكانات الفرقة، أو نقوم نحن باختيار نص، لكنه رفض طلبنا تماماً، وأمام الرفض، لم نوافق على أسلوبه في فرض نص ضعيف ليس متوافقاً مع الفرقة.. وتركنا الرجل، ورحل إلى القاهرة، ولم يعد بعدها أبداً إلى دمياط. قد يقول البعض: إن سلوكنا طائش.. ولا ينبغي أن نتدخل في عمل المخرج.
خاصة وأننا لسنا أعضاء في الفرقة!! وأقول: لم يكن سلوكاً طائشاً، بقدر ما كان محاولة منا لتصحيح أمور كنا نؤمن بأنها تُعد سبباً من أسباب انهيار المسرح في مدينتنا (دمياط).. وإيماناً منا -أيضاً- بأن المناقشة واجبة، وأنه ليس من حق أي أحد أن يفرض علينا رأياً لا نؤمن به، ولا أن نقبل شيئاً من شخص غير قادر على الإقناع.
في وسط هذا المناخ المُتردّي – أو الذي حسبناه متردياً (6) – شاهدت العرض المسرحي (نمرة 2 يكسب) الذي قدمه فريق الفنون المسرحية بشركة النصر للغزل والنسيج بدمياط، من خلال نادي العاملين به. وكان محاولة جادة منهم.
إلا أن بعض المشكلات الفنية فرضت نفسها، وكان لا بد من مناقشتها، وفي ظل غياب المناقشة الموضوعية لكل ما يتعلق بعروضنا المسرحية، والمجاملات أيضاً، وجدت أنه من الضروري أن أذكر وجهة نظري، حتى لو أغضبت أصحاب العرض.. وتساءلت في المقال:
(ما هذا الكم من المسرحيات المترجمة، أو المُعدّة عن نصوص أجنبية؟ ولماذا تسربت تلك الظاهرة من مسارح العاصمة إلى الأقاليم؟) وذكرت أيضاً أن الإعداد تم دون أن يذكر المُعدّ اسم النص الأصلي ومؤلفه، بما يعني قيامه بالاعتداء على حق المؤلف.. وذكرت أن (نص يأجوج ومأجوج) – نفسه – مُعدّ عن نص إنجليزي كتبه الكاتبان الإنجليزيان (روجيه ماك دوجال) و(تيد آلان) عن قصة الروائي الإنجليزي المعاصر (روي فيكرز)، وقد أسمياه (صورة مزدوجة).
وذكرت أن النص مر بثلاث مراحل من الإعداد: الأولى: إعداد الكاتبين الإنجليزيين، والثانية: إعداد الكاتب الفرنسي، والثالثة: إعداد الكاتب (عبد المنعم عبد الحميد). وكانت تلك المقالة – التي أعتز بها بوصفها المقالة الأولى في مسيرة كتاباتي النقدية – تطرح عدداً من المشكلات الفنية والنقدية من خلال العرض ذاته،.
بعيداً عن المجاملة المعتادة، وعنوانها يبدو قاسياً (حقاً نمرة 2 يخسر). تلك التجربة النقدية الأولى شجعتني على ممارسة النقد المسرحي، إلى جانب النقد الأدبي الذي بدأته منذ منتصف السبعينيات.
عتبات أُخر: كانت المقالة الأولى في نقد النص المسرحي هي مقالة (الحلاج ضحية العذاب التراجيدي) تناولت فيها مسرحية (صلاح عبد الصبور) مأساة الحلاج، ونُشرت في “مجلة الكاتب” التي كانت تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب في شهر يونيو 1979م.
في نفس الشهر الذي كتبت فيه مقالتي الأولى في مجال نقد العرض المسرحي. أيقنت منذ تلك اللحظة أن النقد المسرحي بشقيه النظري والتطبيقي يُعد من الأمور الهامة التي ينضبط بها إيقاع حياتنا المسرحية. وفي تلك الفترة كانت توجد أقلام لنقاد كبار اهتموا بمواكبة الحركة المسرحية.
-نظرياً وتطبيقياً- منهم (د. علي الراعي، د. محمد مندور، د. حسن عطية، فاروق عبد القادر، فؤاد دوارة، جلال العشري، بهاء طاهر) وغيرهم من نقاد الصحافة والمجلات المسرحية، وبرحيلهم انحسر دور النقد المسرحي، ولم يتبق منه سوى المتابعات الصحفية التي تكرس للسطحية والانطباعية، ولا تستطيع دفع حركة المسرح المصري إلى الأمام، وتلك قضية أخرى. المهم أنني منذ تلك اللحظة أدركت أهمية المتابعة النقدية، برغم ما تتطلبه من جهد ومثابرة، لا يستطيع أن يجني من ورائها الناقد شيئاً سوى كراهية العازمين على إهدار طاقة المسرح الحقيقي وإفراغه من مضمونه وأهدافه الحقيقية!!
في تلك الفترة التي أشرت إليها، فترة انهيار حلم المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، المثقف العضوي الذي يوقن أن قدره يفرض عليه المتابعة والقراءة والتفاعل مع كل ما يدور من حوله من قضايا، يواجه ولا يستسلم، تعرضت لتجربتين كانتا سبباً في اتخاذ قرار مبكر بضرورة الرحيل من دمياط؛ لكي يتحقق حلم المثقف البكر بالتواجد والتفاعل في الحياة الثقافية مهما كانت النتائج،
ظناً مني أن تضييق الخناق على المثقفين كان في الأقاليم أقوى منه في العاصمة، لأن العاصمة تموج بتيارات متعددة يحقق المثقف من خلالها طموحه وغايته، هكذا كنت أظن لكن بعض الظن إثم!! التجربة الأولى: كان السادات قد أحكم قبضته على اليسار، ومنح الفرصة كاملة للتيار الديني ليعمل بتشجيع منه، وفي ظل هذا المناخ طالب عدد من الأدباء – خاصة هؤلاء الذين يعيشون خارج العاصمة -.
وكان الكاتب المسرحي الراحل “محمد أبو العلا السلاموني” الذي تعرفت عليه في وقت مبكر يناقش أشعاري البدائية في نادي الأدب بقصر الثقافة، واحداً من الكتاب الذين يتبنون فكرة إنشاء اتحاد مستقل للكتاب يستطيعون من خلاله ممارسة حريتهم في التعبير.
موحدين صفوفهم لمواجهة السلطة التي حملت على عاتقها مهمة تهميش دورهم تماماً، باتهامهم بالشيوعية تارة، وبالكفر والإلحاد تارة أخرى، واشتد الخناق عليهم لدرجة أنهم لم يستطيعوا نشر أعمالهم أو ممارسة أنشطتهم الفكرية والأدبية والفنية.
وكان قانون الرقابة على المطبوعات يفرض سطوته ويكشر عن أنيابه لكل من يريد أن يخرج عن الخط المحدد والنهج المتفق عليه!! وهذا هو السبب الذي أدى إلى صدور الأعمال وطباعتها بطريقة “الماستر” مع ظهور ماكينات تصوير الأوراق، وكانت اكتشافاً كبيراً في تلك الفترة، لكنها لم تنجُ من مقصلة الرقيب!!
انطلق الأدباء الذين يعيشون في دمياط بفكرة إقامة الاتحاد المستقل، ومعهم مجموعة أخرى من القاهرة، كانوا أعضاء في جمعية أهلية اسمها: (جمعية أدباء الغد) لنشر تلك الفكرة بين الأدباء الآخرين في محافظات مصر المختلفة، خاصة وأن الاتحاد الاشتراكي كان يريد احتواء هذا الاتحاد، حين قام (يوسف السباعي) – وكان وزيراً للثقافة .
برحلة سريعة إلى دمياط للالتقاء بأدبائها، لمناقشة مشروعهم، وفي هذا اللقاء اختلفوا معه، واحتد النقاش بينهم وبينه، فانصرف عائداً إلى القاهرة، دون أن يحقق الهدف الذي من أجله كانت الزيارة، فاستكملها هو وبعض أعوانه، حين قرروا إقامة هذا الاتحاد في القاهرة ليكون تابعاً للدولة تبعية كاملة، والقضاء على فكرة الاتحاد المستقل .
وسط هذه الظروف غير المستقرة، كانت مدينة بورسعيد تستعد للاحتفال بعيد النصر في ليلة الثالث والعشرين من ديسمبر 1974، وكان من ضمن برنامج الاحتفال عرض مسرحية السلاموني (رواية النديم عن هوجة الزعيم)(9) من إخراج (عباس أحمد).
وهناك طُرحت فكرة الاتحاد المستقل مرة أخرى، وتم الاتفاق على إقامة مؤتمر قبل افتتاح المسرحية، يضم بعض الأدباء من الأقاليم المجاورة لبورسعيد: دمياط والمنصورة، مع إصدار بيان يعبر عن رأيهم في هذه القضية، وتم الاتفاق على وضع البيان أمام باب المسرح للتوقيع عليه ووضع بند فيه ينص على ضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين.
وكنت – آنذاك – واحداً من الذين حضروا هذا الاحتفال، وشاهدت وقائعه ولم يذهب من ذاكرتي، على الرغم من صغر سني وقتها، وبالفعل تم وضع البيان، ودار حوله حوار بين الجمهور والأدباء في صالة العرض، وتحول الوضع إلى مظاهرة سياسية، ثقافية، تم على إثرها استدعاء قوات الأمن التي حاصرت قصر الثقافة، وتم إلقاء القبض على معظم الذين شاركوا في هذا المؤتمر.
بعضهم من داخل المسرح، والبعض الآخر من أماكن مبيتهم ليلاً، وكان (محمد أبو العلا السلاموني) من هؤلاء الذين تم القبض عليهم ليلاً أثناء نومه في منزل صديقه المخرج (عباس أحمد).
ومن دمياط تم -أيضاً- القبض على (كامل الدابي) وكان أميناً لمكتبة قصر الثقافة، ومحباً للشعر والأدباء، وتم ترحيلهم إلى السجن، وقضى (السلاموني) ما يقرب من ثلاثة شهور طبقاً لقانون الطوارئ، مُتهماً بإحراز منشورات معادية، والعمل على قلب نظام الحكم!! فضلاً عن الاتهام المُعد سلفاً لكل الذين يعادون نظام السادات:
وهو اعتناق الشيوعية!! الاتهام الذي أتاح الفرصة أمام التيارات الدينية لتمارس نشاطها في مواجهة الشيوعية الكافرة!! وكواحد من الذين عاصروا هذه الأحداث عن قرب وشاهدها بنفسه -لم يتم القبض عليّ، لأنني استطعت الفرار والعودة إلى دمياط سريعاً- أستطيع أن أقول إنني حينما قرأت الصفحات الأولى في صحف الصباح، ومعظم مانشيتاتها تقول:
القبض على خلايا شيوعية أفرادها من دمياط وبورسعيد والمنصورة، شعرت -لحظتها- بأسف شديد جداً لأن الذي قرأته جاء منافياً لما حدث تماماً، ومنافياً للحقيقة، والأدهى من ذلك -وهو ما جعلني أعيد التفكير في أشياء كثيرة- أن معلماً في الثانوية العسكرية في مدينتي دمياط، كان زميلاً للسلاموني في نفس المدرسة التي يعمل بها (10) وأيضاً معلمي في المرحلة الإعدادية.
منتمياً إلى التيار الديني في سنوات تكوينه الأولى، أخبرني والفرحة تتراقص في عينيه، مهللاً: أرأيت.. لم تصدقني حين قلت لك ابتعد عنهم، إنهم شيوعيون!!.. هؤلاء كفرة، كيف تواصل السير معهم؟؟ وتنضم إليهم لتمارس نشاطاً في قصر الثقافة؟؟ وكان معلمي هذا قد استطاع أن يجذبني -بعض الوقت- إلى عالمه، ورافقته إلى المساجد للتعرف على الإخوة، كما كان يطلق عليهم. حين لفظ بتلك الألفاظ -وكنت أعلم أنها كاذبة- واجهته وقلت له
هذا الكلام ليس حقيقيّاً، لا تصدقه، لقد كنت هناك، ورأيت أمامي ما حدث بالتفصيل، إنها أكاذيب السلطة.. لكنه أصر، وأخذ يزعق في وجهي بهستيريا، فتركته ومشيت، ولا أعرف شيئاً عنه من يومها حتى كتابة هذه السطور!! ومن يومها تمت مراقبتي -من قبل أمن الدولة- أنا وصديقي العائد معي من بورسعيد الشاعر الراحل محمد الزكي.(11) التجربة الثانية في عام 1980.
تم تكليف الصديق المسرحي الراحل (محمد الشربيني) بإخراج مسرحية ضمن النشاط المسرحي لطلاب كلية التربية بدمياط في عام 1980 -كانت تلك السنة هي السنة الأولى لإنشائها- تم ذلك بناءً على ترشيح من الصديق المشترك الراحل (نبيل سرحان) الشقيق الأكبر للمخرج (رأفت سرحان).
وقام الشربيني بإعداد نص المجانين عن الفيلم الشهير (طار فوق عش الوقواق) الذي أخرجه (ميلوش فورمان)، وكانت أول تجربة له في مجال الكتابة المسرحية، التي بدأها إعداداً. ولأنني كنت صديقاً له منذ سنوات، وتعرفت عليه أثناء مشاهدتنا للعروض المسرحية التي تقدمها مراكز الشباب، فضلاً عن العروض المسرحية التي أشرف عليها بنفسه من خلال عمله مسؤولاً عن مركز الموهوبين بمديرية الشباب والرياضة بدمياط،
وكنا نسافر – معاً – لمشاهدتها وتقييمها، في تلك الفترة توطدت علاقتي به، ومن ثم اعتبرت نجاحه في عرض كلية التربية بدمياط نجاحاً لي على المستوى الشخصي، فاقترحت على عميد الكلية أن نصدر نشرة مسرحية ترافق العرض المسرحي، ويتم توزيعها أثناء العرض على الجمهور مجاناً.
ووافق العميد، وجهزت نفسي لإصدار النشرة التي أسميتها (المسرح 80) آملاً – وقتها – في استمرارها بعد صدور العدد الأول منها، ولكنني فوجئت بالعميد ورئيس اتحاد الطلاب بالكلية والمشرف على النشاط يطلبون مني أن أفرد لهم عدداً من الصفحات لتقديم نشاطهم الذي يقدمونه.
ورأيت أنه لا علاقة له بالمسرح فرفضت، وأمام إصراري على الرفض، رفض العميد – بالتبعية – إصدار النشرة وطبعها، وحين علمت أن العرض سيعرض على خشبة مسرح قصر الثقافة وليس مسرح الكلية، قمت بإعداد النشرة، وكتبت فيها مقالاً عن العرض الذي شاهدت بروفاته كاملة، وشاهدت الختامي منه (الجنرال) .
وكان المقال الذي كتبته عن العرض هو المقال الثاني لي في مجال نقد العرض المسرحي بعد المقال الذي أشرت إليه آنفاً. كانت الطباعة بطريقة (الماستر) قد ظهرت في تلك الآونة، لكنها لم تكن قد وصلت بعد إلى دمياط، فسافرت إلى القاهرة لطباعة النشرة على وجه السرعة حتى تلحق بالعرض المسرحي.
وعلى نفقتي الخاصة بعيداً عن الكلية. سافرت إلى القاهرة لطباعة النشرة فلم أجد مطبعة واحدة توافق على طباعتها، كل المطابع تطالبني بتصريح الرقابة، فذهبت إلى مصلحة الاستعلامات للحصول على التصريح المطلوب، لكنهم قالوا لي:
اطبع.. ليست هناك رقابة على المطبوعات، فأخبرتهم بأن المطابع ترفض ذلك، فقالوا هذه مشكلتك!! ولحسن الحظ أو لسوئه – لا أعرف – وجدت مطبعة صغيرة بجوار شارع الشواربي، وافق صاحبها على طباعتها، وعدت بها إلى مدينتي فرحاً مسروراً ومنتصراً.
وقمنا بتوزيعها أثناء العرض المسرحي في قصر الثقافة، وفي الصباح -وجدنا أنفسنا أنا ومحمد الشربيني- في مبنى مباحث أمن الدولة، ومع الأسئلة التقليدية، أخبرني ضابط التحقيق -الذي أصبح محافظاً للدقهلية بعدها بسنوات طويلة- وحين قابلته في مبنى المحافظة ضمن وفد في مؤتمر، ذكرته بذلك.
فضحك، وأخبرني أنه لا يتذكر!! وعلمت منه -أثناء التحقيق- أن عميد الكلية قام بالإبلاغ عنا، لأننا استخدمنا اسم كلية التربية في مطبوعة بدون إذن منه، مستنداً إلى أننا لسنا طلاباً في الكلية. فعل هذا نكاية فينا، وانتقاماً لأننا قمنا بطباعة وإصدار نشرة (المسرح 80).
بعد تلك الحادثة مباشرة، انتقلت إلى القاهرة، وكنت مهيأ تماماً، ومستعداً للرحيل، بدون أي استعداد لاستقبال العالم الجديد في العاصمة، سوى نقل وظيفتي كمدرس في إحدى مدارسها.
وهناك بدأت رحلة المتاعب والمسؤوليات.. خاصة حين عملت في وزارة الثقافة، وتركت وزارة التعليم، فعملت في المركز القومي للآداب، وكنت سكرتيراً لتحرير عدد من مطبوعاته، وبعدها انتقلت للعمل مديراً لتحرير مجلة الثقافة الجديدة في الفترة من 1990 حتى يناير 2001، وبعدها أصبحت مديراً عاماً لإدارة النشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
وتم إبعادي عنها أثناء أزمة الروايات الثلاث، التي فجرها الإخوان المسلمون في يناير 2001، واستجاب لهم فاروق حسني وزير الثقافة وقتها!! وعملت بعدها مديراً للشؤون الثقافية بالإدارة العامة للمسرح، ثم مديراً عاماً للمسرح.. إنها عتبات البهجة والألم التي بدأت بلعبة اكتشاف المسرح منذ الطفولة.. ويالها من طفولة.
هوامش :
1- كانت هذه النشرة تصدر من قبل ذلك بسنوات طويلة، لكنها لم تكن منتظمة في إصدارها.
2- المرحلة الثانية من إصدار النشرة.
3- كانت فرقة دمياط القومية المسرحية تابعة للمحافظة مباشرة، وكان مسرحها مجاورا لمبني المحافظة علي كورنيش النيل، ولم تكن تابعة للثقافة، وتم ضمها إلى الثقافة في السبعينيات .
4- ظلت تلك الذكري تطاردني ، حتى أصبحت مرتبطا عمليا ووظيفيا بالمسرح ، لدرجة أنني كنت أطلب من المسئول عن نشاط المسرح في أي موقع ، بألا يقوم بمنع الأطفال من مشاهدة المسرح ، والأمر يتطلب فقط ، وجود شخص ينبههم بالالتزام بقواعد المشاهدة ، ولقد تبين عن طريق التجربة ، أن الطفل يستجيب ، ويتابع العرض إذا جذبه ، وينصرف عنه ، إذا لم يجد فيه ما يتمني .
5- أنظر شهادته المنشورة في كتاب ( ابن اللذين ) مقالات محمد الشر بيني عن المسرح الإقليمي – الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة – إدارة المسرح – كتاب التوثيق رقم (7) -2010 صفحة 14-15
6- المفارقة تكشف ، انه كان مناخا أفضل بكثير مما نعيشه الآن ، أتحدث هنا عن المسرح ، ومشكلاته ، التي تعاظمت ، أكثر من ذي قبل .
7- قمت بضم تلك الدراسة إلي كتاب ( الخطاب المسرحي .. قراءات في المسرح العربي ) – الهيئة العامة لقصور الثقافة – سلسلة كتابات نقدية رقم 27 – مايو 1994
8- انشيء هذا الاتحاد بالقانون رقم 65 لسنة 1975 ، وتم تعديله فيما بعد بالقانون رقم 19 لسنة 1978
9- رواية النديم عن هوجة الزعيم – الهيئة العامة للكتاب – 1984 – عرضت علي مسارح الثقافة الجماهيرية من إخراج عباس احمد (1974)- محمد سالم (1974)-عبد الغفار عودة ( 1980)
10- كان السلاموني يعمل مدرسا لمادة الفلسفة في مدرسة الثانوية العسكرية بدمياط ، قبل انتقاله للعاصمة في عام 1982
11- للتعرف على تفاصيل أكثر حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلي :
مقال حرية الكاتب وأبواب الجحيم – محمد أبو العلا السلاموني – مجلة فصول ( الهيئة المصرية العامة للكتاب )– المجلد الحادي عشر – العدد الثالث – خريف 1992 – الصفحات من 250-254 والمقدمة التي كتبها أحمد عبد الرازق أبو العلا للجزء الرابع من الأعمال الكاملة لمحمد أبو العلا السلاموني ، ويضم المسرحيات التي تناولت موضوع الإرهاب باسم الدين – الهيئة المصرية العامة للكتاب.
بقلم: احمد عبد الرازق ابو العلا