الساعة الرملية …قصة للكاتبة : ندى إمام

___
وجدتها وأنا أعبث بمجموعة أشياء قديمة بحجرة مغلقة بالبيت، سمعت من أبي أنها كانت لشخص يدعى أخي. ثم قال لي إنها تسمى ساعة رملية، وهى لقياس الوقت، وقام بتعليمى كيف أقلبها لينسال منها شىء كثيف أصفر اللون اسمه رمل.
هذا كل ما عرفته عنها، وأحببتها وصارت صديقتى الوحيدة لمدة طويلة، فكل يوم لا عمل لى سوى النظر إليها وهى تفرغ رملها إلى الناحية الأخرى ثم أعاود قلبها مرة ثانية على الناحية الممتلئة لأفرغها لكن دون اهتمام بما قاله أبي عن الوقت فتلك جملة لم أفهم معناها.

يوما بعد يوم تعلمت أشياء أخرى من ذلك المكان الذى كانت أمي أو أبي يأخذاني إليه، حيث يوجد هناك آخرون غيري منزوون، وصامتون، وأحيانًا يكررون كلمة واحدة كثيرا.
وحين تعلمت قراءة الكلمات صارت لى لعبة أخرى هى عد نقط الكلمة، وصارت تلك أيضا إحدى اهتماماتى المستمرة طوال عمرى والذى لا أعرف عدده.
كنت أعد نقط كل كلمة أسمعها، شجر بها أربع نقط ، نمل بها نقطة واحدة. وشقشقة كلمة بها نقط كثيرة وهكذا أنا مشغول دائما بعدد النقط.
يومًا جاءت والدتى ومعها شيءٌ صغيرٌ ناشفًا وقالت لى إن اسمه: “سلحفاة”، وأنها صديقتى الجديدة، وظلت معى بالغرفة نأكل ونلعب معًا، كانت أمي تضع لها الطعام الأخضر اللون وأضع أنا الساعة الرملية بجوارها وأراقبهما معا.

لم أعرف أبدا حكاية لتلك الساعة وحكاية الوقت ولم أهتم بمعرفة ذلك. أنا مثل تلك السلحفاة الصغيرة التى لا تكبر أبدًا، أنا وهى فى تلك الغرفة لا شأن لنا سوى الطعام واللعب مع الساعة الرملية. يومًا وأنا أقلب تلك الساعة وجدت بها كلمة حاولت قراءتها فكانت “غدًا”، لم أعرف معناها، ولم أهتم. فماذا تعني ” غدًا ” غير نقطة واحدة؟

السلحفاة تختفي أحيانا، تتركنى وحدى أمام الساعة الرملية التى لا ينتهى ما بداخلها أبدا! وحين تظهر ثانية تأكل من يدي ورقة خضراء تضعها لها أمي ثم تنام بجوارى.
وحين صرختُ يومًا بصوت فزع، جاء أبي إلى حجرتى مهرولا، وعندما فتح باب الغرفة وجدنى أمسكُ بخشب الساعة وكل ما بها من الرمال والزجاج ملقى من حولى، وأقول بصوت مرتفع: كنت أريد أن أعد الرمل. ثم صرخت طالبًا منه أن يعيد الرمل إلى الساعة مرة أخرى، وجاءت أمي واحتضتنى وهى تهدهدنى، بينما ردد أبي وبعض قطرات من الماء تسيل من عينيه وهو يلملم بقايا الساعة ويخرج من الغرفة ناظرا لي، حاضر يا حبيبى، ستكون عندك “غدا”.
****