اغتراب الذات وغربة الجسد قراءة في ديوان (الغرباء يدخلون الجنة) للشاعرة: مروة فاروق

72
اغتراب الذات وغربة الجسد
قراءة في ديوان (الغرباء يدخلون الجنة) للشاعرة: مروة فاروق
بقلم:
جابر الزهيري
سكرتير عام اتحاد كتاب مصر فرع المنيا
لا جدال في أن الشعر الحقيقي هو ذلك الإحساس النابع من تجارب حقيقية أثرت بشكل واضح في التكوين النفسي للمبدع، فيكون حال كتابته للنص الشعري يرسم ما يعايشه سواء كان سعادة أو تشتت أو معاناة…. ويكون تصويره لما يعتمل في نفسه أصدق ما يكون فلا يشعر بالذات إلا صاحبها ولا يترجم ما بها إلا من عايش هذه المشاعر. فتتكون صوره الشعرية ومفرداته اللغوية بشكل متلائم لما في النفس، صادق في رصد الحالة الشعورية له لينتج نصا أدبيا متميزا
وفي المجموعة محل القراءة نجد أن مروة فاروق قد جعلت السياج العام للحالة الكلية للمجموعة هو الغربة فنراها ترصد في نصوص منها الغربة المكانية عند الموطن ومحاولاتها التأقلم الظاهري مع أماكن لا تنكرها نفسيا فتتظاهر بقبولها كأمر واقع كما في قصيدة البلاد البعيدة:
أرتدي مشاعري التنكرية متأنقة
في حفلة الحياة
قلبي المستعار يتعطل مني
عيناي الزجاجيتان
لا تكفان عن عكس وجوه المقتولين في روحي
لذلك سأصحبهم مرغمة
وأجالسهم على طاولة العشاء
كما أننا نجد بعد تلك التهيئة النفسية للقارئ في النص الأول من الديوان تأخذنا لمشاعر أطفال ينتظرون طلوع الحياة بعودتها إليهم محملة بهدايا نتيجة تلك الغربة ومقابلا لذلك الحرمان الذي جعلهم في حالة فراق شبهته بالليل الطويل، لتسير معنا في رحلة الغربة المكانية متوازية مع الاغتراب الذاتي الذي يجعلها تتقمص شخصية غير شخصيتها الحقيقية لتستطيع التعايش بين الغربتين متمسكة بالأحلام معترفة أنها في حالة وصفتها بالموت:
جسدي
في البلاد البعيدة
مسجى في مقبرة طيبة
وأنا عائدة للوطن
في دموع منهكة
وللبحر صور متعددة مع حالة الاغتراب عند الشاعرة فهو الفاصل المكاني كما في قصيدة قال البحر، ومستودع الأسرار لاغتراب النفس والصديق الصامت الذي يستمع لنحيب القلوب المثقلة بهموم الغربة فما هو إلا فيض من دموع الغرباء الذين باحوا بمعاناتهم له.
في كل مشاهد رحلة الغربة نجد الصراع واضحا سواء كان بين النفس وذاتها والميل إلى وضع نهاية لذلك الصراع حتى ولو بالموت، أو بين النفس والأخر وما يتفجر عنه من ثورة مشاعر متناقضة كما في قصائد تحدثني عن الحب ولا استطيع الرقص وحدي ورجل ميت بشروط ومحاولة أخيرة لفعل بائس، أو بين النفس والشيطان كما في قصائد يوم القيامة وامرأة صالحة والألم، حتى يزداد ذلك الصراع بين غربة الجسد واغتراب النفس ما بين الشغف والهزيمة والخوف والبهجة لتصل إلى حالة الرشد العقلي فتقر أنها ليست من كانت في رحلة الغربة في قصيدة امرأة تشبهني:
السيدة التي كنتها بالأمس
ليست أنا
وهذا الذي كنت أرتديه
زي امرأة أخرى
أعارتني إياه
حين رأت شغفي
بجسدها المتمايل
على نغمات حرة
ولكن العودة إلى الوطن/ الأم / المنبت هو الوصول إلى ذلك السلام النفسي الذي تنشده كل نفس تألمت من تأثير ذلك الاغتراب بأي من مظاهرة سواء نفسية معنوية أو مكانية حسية ليكون احتواء الروح هو الملاذ من تلك الصراعات والنهاية الحقيقية لما أصاب النفس من تشتت فتستقر، فنجد نهاية المجموعة قصيدة أشجار الجنة التي مثلت حالة من الاستقرار الروحي بعد رحلة طويلة من الاغتراب:
ظلت أمي تمسك بالماء المقدس
لكنها صائمة
لم تتمكن من إطعام الشجرة
خطفت الدورق منها
وشربته كاملا
فنبتت داخلي شجرة
ممتدة حتى الجنة
مجموعة الغرباء يدخلون الجنة هي بحق رصد صادق لمشاعر حقيقية أبدعت في رسمها شاعرة أجادت في انتقاء مفرداتها وكذلك في ترتيب النصوص التي جاءت مناسبة للحالة الشعرية دون إفراط أو تفريط فمنها ما جاء في شكل مقاطع قصيرة ومنها ما جاء بوصف به إسهاب غير ممل أو مكرر فأمتعت القارئ بدخوله في معايشة حقيقية لمشاعر الاغتراب ليجد نفسه في بعض حالته الذاتية متطابقا مع صدق الحالة الشعورية للشاعرة.
قد يهمك أيضا

التعليقات مغلقة.

error: