موقع إخبارى شامل

هيمنة الثوابت الإيمانية والواقعية السحرية على الأنساق السردية قراءة في رواية :فوق الجاذبية للأديب :أحمد الشدوي بقلم : المستشار صالح شرف الدين

قراءة في رواية :فوق الجاذبية للأديب :أحمد الشدوي بقلم : المستشار صالح شرف الدين

هيمنة الثوابت الإيمانية والواقعية السحرية على الأنساق السردية
قراءة في رواية :فوق الجاذبية
للأديب :أحمد الشدوي
بقلم : المستشار صالح شرف الدين
عضو شعبة النقد باتحاد كتاب مصر
………………………………….
محاور القراءة :
-على سبيل التقديم
-العتيات النصية
-هيمنة الثوابت الإيمانية
-أنساق الواقعية السحرية
-الختام
…………………
أولا :على سبيل التقديم (1-5)
………………………….
-للرواية سحرها الخاص كمصنف أدبي امتد عبر الزمان والمكان بدءا من القص والحكي إلى أن استقرت ملامحه الفنية وامتد من (حي بن يقظان ) إلى الآن حيث تتألق رواية تيار الوعي والواقعية السحرية …
-نتأمل عناصرها الفنية ،ونسأل أنفسنا ما الجديد الذي قدمته لنا الروائي ؛ فكل يوم تقذف لنا المطابع عشرات الروايات الجديدة التي لا يمكن أن نتابعها كلها ،وما يقع في أيدينا ؛ نتأمل عتباته النصية :الغلاف الأمامي والخلفي ،العنوان ،والألوان ،والإهداء ،والعناوين الداخلية ؛ نتأمل : الزمان والمكان والشخوص والعقدة والحل ،نتأمل :المنولوج الداخلي ،ونحيط بالأنساق الظاهرة ونبحر في الأنساق المضمرة ، نتوقف عند الإشارات وما تشير إليه والرموز التي تفسر ولا تحل وحقولها الدلالية ،نقف طويلا عند التيمات الثقافية وتوسعتها لآفاق التلقي .
-وبعد القراءة السريعة الأولية نسأل أنفسنا سؤالا منهجيا وحيويا فعلى أساسه نعيد القراءة لنؤطر لرؤيتنا أو نصرف النظر عن مواصلة القراءة …
السؤال :هل النص الذي بين أيدينا يحقق الهدف الأسمى من الفنون والآداب ؛فيزيد من مساحات الحق والخير والجمال أم لا ؟!
-الإجابة بلا اية مجاملة :نعم –فوق الجاذبية – زادت مساحات الحق والخير والجمال ،فأنقذ خالد رؤيا من مؤامرة خبيثة ،وأثبتت رؤيا نظريتها التي تتماهى مع جوهر الأديان ،وأكدت أن الرجل الشرقي يمكنه أن يتفوق إذا أتيحت له فرصة عادلة ،وأن المرأة الشرقية يمكنها أن تصل إلى ذروة العلم الحديث وتتفوق على قريناتها ،وأن الإيمان قوة لا تقهر ،وأن تواصل الأجيال مستمر في تحقيق الأهداف ،فرمضان
لم يمت واستمر نهجه في تحقيق العدل ومؤازرة الحق ،والوقوف الملهم مع خالد البطل الذي ورث منه الكثير ومع رؤيا البطلة أيضا ،وتؤكد قدرة العقل العربي على كشف خداع الكثيرين ممن يتصورون أنهم الأذكى ؛ فرؤيا تكشف خداع أحدهم ،وخالد ينقذ رؤيا من القضاء على عقلها والاستيلاء على خلاصة بحثها ،ويخدع الجميع وينقذ
رؤيا …
-لقد هيمن الكاتب بتقنية (السارد العليم ) على نصه الروائي ،ووظفه توظيفا فنيا مميزا ليحقق هدفه ،ويؤكد الكثير من القيم التي يؤمن بها : فالحق ينتصر مهما كانت سطوة الباطل ،والإنسانية قيمة تستأهل التضحية من أجلها ،والنبل والشهامة لا تعني التهور بل حسن التخطيط ،وحسن التدريب ،وعدم اليأس ،وأن الإيمان قوة لا تقهر ،وكم
تصنع ما يفوق المعجزات ،وأن التقدم العلمي لا يحقق السعادة للإنسان في كل
الأحوال فقد يتعسه ،ويقضي على ما يمكن أن يسعد به الإنسان نفسه ؛فيضيع
عمره في سلسلة من التجارب التي قد تحوله إلى آله ،وتسلبه مشاعر إنسانية
راقية …
-تقع الرواية في 246 صفحة ،غلافها الخلفي لونه أسود ، وباللون الابيض
فقرة من ختام الرواية مثيرة تحث على القراءة ، وصورة للكاتب ،وملخص شديد لسيرته الذاتية ، والغلاف الأمامي عين تطل من خلال سحب متكاثفة ، والعنوان
(فوق الجاذبية ) يفتح آفاق التلقى ، وعبارة ملهمة في سطر واحد( لفيكتور هوجو)
وإهداء إلى الأبطال الحقيقيين يفتح آفاق التأويل، ثم جزء من أقوى جزء في الرواية
والذي كاد يودي بحياة البطل ، وهو بذلك يجعل الرواية تقوم على ما يسمى بالاسترجاع (الفلاش باك)
-الرواية قسمت إلى حوالي عشرين فصلا تبدأ بعبارة موجزة للكاتب أو لأحد المشاهير ،وتتماهى مع أحداث الفصل ،وتعد مفتتحا له …
-وسنتناولها في الأسطر القادمة وفق قيم نقدية عربية راسخة تركز على الشكل والمضمون ، منذ زهير بن أبي سلمى ،والخنساء ،مرورا بالجاحظ وابن قدامة ،
وانتهاء بآخر النقاد العرب المعتبرين لدينا على الجارم والطاهر أحمد مكي ،وما تفرع عنها في العصر الحديث وما بعد بعد الحداثة من نقد ثقافي ،وتأمل في النسق الروائي:
إشارات ، ورموز ،وإدراج ،واقتباسات …
………………………………………….
ثانيا :العتبات النصية : ( 2-5)
-إن العتبات النصية حسب (جيرار جنيت )تشتمل على : العنوان الرئيس، و العنوان الفرعي، و العناوين الداخلية والمقدمات، والملحقات، والهوامش، والإهداء، والملاحظات، وكلمات الغلاف، والفهرس، والمقتبسات، والتنبيهات، والتقديم، والتوثيق، والصور…
1- وفي الرواية التي بين أيدينا الغلاف الخلفي باللون الأسود الوقور ،وثلاثة عناصر فاعلة :
أ- فقرة من الرواية جاذبة للانتباه ،ومحفزة على قراءة الرواية :
” بدت المعلومات مذهلة وخطيرة ،ولا تصدق أبدا ،وكلما تعمق فيها قليلا أدرك أن هناك عملية قذرة تحدث الآن على ظهر المركبة ،بتخطيط وقيادة من المحطة الأرضية
،وإدارة قائد المركبة (جيمس) وأن هذه العملية القذرة تنفذ على شخص داخل المركبة أطلق عليه حرف (دي) لزيادة التموويه والتعمية ”
وأهمية هذه الفقرة في أنها تشير لبعد ثقافي عند الكاتب فهو يدرك أهمية أن يجذب القاريء من أول وهلة ؛ فيقرأ الرواية ليعرف كيف تنفذ تلك العملية ، وما الآثار التي ترتبت عليها …
ب- سيرة موجزة للكاتب تحث على القراءة أيضا من خلال خبرات وإصدارات مميزة :
روائي سعودي حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال –عضو نادي جدة الأدبي –عضو المجلس الاستشاري التعليمي بجدة –عضو النادي الأدبي بالباحة ،صدر له :
صراع الليل والنهار رواية ، الصراع الثاني رواية ، كهف أفلاطون سيرة ، الشبورة رواية ، نجوم القصور السبعة قصص قصيرة –له قصص كثيرة منشورة بالصحف ،شارك في ندوات ومؤتمرات أدبية داخل المملكة وخارجها .
ج- صورة للكاتب بالزي الوطني تشير إلى انضباط وطني وتمسك بالثوابت المرعية
واعتزاز بالوطن وتراثه .
2-الغلاف الأمامي ونجد فيه أربعة عناصر :
أ-العنوان :فوق الجاذبية : عنوان غير مستهلك مكون من تركيب إضافي ، ومنفتح على تأويلات قد لا يقصدها الكاتب ، فوق الجاذبية تعني على المستوى الأول :انعدام الجاذبية ،عند مغادرة الغلاف الجوي إلى الفضاء ، وتعني على المستوى الثاني :الجاذبية الأشد أو شدة الجذب ،وفي المستوى الأعمق كل ما يحدث بعد الانجذاب الأول بين الأشخاص والأشياء…
ب-عين واحدة إذا اقتربت بنظرك منها وجدت داخلها علامات وأرقام لاتينية وكأنها ساعة مستديرة ، وإذا نظرت إليها من مسافة بعيدة اختفت ملامح العين وبدت وكأنها ثقب أسود وسط السماء …
ج-اللون الأزرق مع السحب البيضاء والرمادي الخفيف مريح وجاذب للعين
د- العنوان في أعلى الصفحة ،وكلمة رواية ،واسم الكاتب بينها تناسق يزيد من
جمال الغلاف الأمامي
3- عبارة مختصرة ل(فيكتور هوجو) شغلت لأهميتها صفحة كاملة :
تشير إلى إعماق رومانسية ،وأهمية الإنسان في تحويل المعاني المجردة إلى معان واقعية :
” يبقى الحب كلمة ؛حتى يأتي شخص ويعطيها المعنى ”
4- إهداء يصبغ الرواية بلون الواقع والواقعية :
إلى روح رمضان الفذة ، إلى همة خالد العالية ، إلى رؤيا فخر بنات العرب .
أهدي هذا العمل لأبطاله الحقيقيين …
،ويشير هذا الإهداء إلى رغبة الكاتب في أن يؤثر هذا العمل في المتلقي ،ولا يعتبره
المتلقى مجرد رؤى خيالية لروائي ؛فالحكاية عن أبطال حقيقيين مؤثرة أكثر .
5-العبارات التي تعد مفتتحا لفصول الرواية :
أ- عبارة للكاتب:
“كل حكاية بطولية ،قد تسبح فيها الأساطير إلا إن لها أصلا في الحقيقة
الموضوعية ”
هذه العبارة تمهد لأسطورة رمضان ، أو الرجل الذي جعله الناس أسطورة ،وتشير إلى أن الأساطير نبتت من حوادث واقعية ضخمها الناس حتى صارت أساطير ،وقد تحول خالد ورؤيا إلى بداية أسطورة أيضا ، ومن خلال تلك البطولات التي تحققت ،والتي يمكن من خلال المزيد من التدوين فيما صنعاه يصيرا فعلا أسطورة ملهمة لكل القادمين بعدهما .
ب- سؤال للكاتب يفتتح به الفصل الثاني :
هل عاش دافنشي عبر الزمن ،وتجول بين الماضي والمستقبل ؟
سؤال يجعل من دافنشي أسطورة ، وتجعلنا نتساءل :هل أسقط الكاتب (الحاضر) عن
عمد أم أنه المعلوم بالضرورة (الماضي والحاضر والمستقبل )
ج- عنوان ملغز للفصل الثالث :”أيرلندا 1944″
ما علاقة أيرلندا في آخر الحرب العالمية الثانية بالرواية ؟
علينا أن نقرأ عن مشكلتها التي استمرت سنوات طويلة ولم تحل إلا حديثا
وهي فاصل مؤلم من معاناة الإنسان من ظلم أخيه الإنسان ،وصراع من
البقاء ونيل الحقوق مهما كانت التضحيات ، وفيها نشأت أسرة توماس وجيمس اللذين
عملا في ناسا وقادا سفية الفضاء ،وتضوي على أن الكثير من العلماء من أصل غير أمريكي .
د- عبارة ل(ميرلوبونتي):
“إن الفكر لا يوجد خارج العالم وبمعزل عن الكلمات ،إن الأفكار التي عبرنا عنها من قبل هي التي نستعيدها ”
إنها تشير إلى الارتباط بين الفكر والكلمات والعالم ،وأن الأفكار تتكرر عبر الأزمنة .
هـ -عنوان قادم من الذاكرة ،وللاسم حقول دلالية : “طهران”
فاصل من صراع الإنسان والإنسان ،صراع بين المأمول والممكن ، وتحكم
الماضي المؤلم في الحاضر والمستقبل ،وبصورة غير منطقية وغير إنسانية ،
ف(مير) يكاد يقتل (خالدا) انتقاما منه لأن هناك مشاكل تاريخيه بين جدوده وجدود
خالد ،فكيف لعالم فضاء تتحكم فيه الثارات التي لا تنتشر إلا في بيئة يسودها الجهل والتخلف ..!
و-عبارة تؤكد أن القسوة قد يفرضها الموقف ،وقد نحتاجها أحيانا وتكون ضرورية :
“إذا أردت أن تحافظ على انعزالك فلا تكن لطيفا ”
وهي تبرر الخشونة في المعاملة ..
ز-عبارة تبين أن الطموح ليس أكبر من القدرات لكنه أعظم من الجرأة وإرادة الفعل :
” إن الزعم بأن طموحات الإنسان هي أكبر من قدراته إنما هو وهم ، فغالبا ما يكون الطموح أعظم من جرأة صاحبه ،وأكبر من إرادة الفعل عنده ”
ح- عبارة تبين حقيقة النجاح والجهد الذي يبذل لتحقيقه :
” النجاح الفذ تحصيل لعدد لا يحصى من الجهود ،لا ينتبه إليها أحد ”
ط- عبارة تؤكد أن الفشل شيء واقعي :
” الخيبة تولد كل يوم ،وتنبثق مع شروق الشمس،ومع ارتفاعها تتمدد ”
ي- عبارة تبين الفرق بين اختبارات المدارس واختبارات الحياة ،وهي خلاصة تجربة وتأمل من الكاتب :
” في المدرسة يعلمونك الدرس ثم يختبرونك ، أما الحياة فتختبرك ثم تعلمك الدرس ”
ك- عبارة ل(محمد المنسي قنديل) تبين عجز الإنسان عن فعل أشياء رغم سطوة قوته
” لا أحد يستطيع أن يقتل حلما ، أو يغتال قطعة من السحاب ”
ل- عبارة ل(إميل سيوران ) تبين القيمة الكبيرة للطفولة والحنين إليها :
” أنا مستعد للتخلي عن كل مشاهد العالم مقابل مشهد طفولتي ”
م- عبارة ل(أحمد الشقيري) تبرز قيمة الزمن وقيمة حياة الإنسان :
” اللحظة قد تغير يومك ،ويومك قد يغير حياتك ،وحياتك قد تغير العالم ”
ن- عبارة من عند الكاتب تصف لحظات وصول الحب للمرأة :
” الحب يهبط على المرأة في لحظة مملوءة بالسكون والإعجاب ”
س-عبارة أخرى للكاتب تؤكد خبرته الحياتية الثرية ،وقدرته على استخلاص الحقائق من تشابك المواقف الحياتية :
” صعب أن تختار من تحب ، والأصعب أن تحاول كراهية من كنت تحب ”
ع- عبارة ل(محمد علي كلاي ) تبين الاختلاف الكبير بين الناس في التعامل مع الإنسان :
” الجميع يعرفون التضحية ، لكن هناك من يضحي لك ،وهناك من يضحي بك ”
ف- عبارة ل(محمود درويش ) تبين جمال الصدفة :
” أجمل ما في الصدفة أنها خالية من الانتظار ”
ص- عبارة فلسفية للكاتب تبرز رؤيته في خداع الدنيا :
“لا نقترب من الحقيقة إلا بقدر ما نبتعد عن الدنيا ”
ق- عبارة ل(جبران خليل جبران ) تبين أهمية الجمال ومكانته :
” إنما نعيش لنهتدي للجمال ، وكل ما عدا ذلك هو لون من ألوان الانتظار ”
ر- عبارة ل(جون هارينغتون ) تبين أن الخيانة مهما كثرت لا تزدهر ولا تنتشر في الكل :
“الخيانة لا تزدهر ؛لأنها إذا ازدهرت فلن يجرؤ أحد على تسميتها خيانة ”
ش- عبارة فلسفية ل(فريدريك نيتشة) تبين خضوع كل شيء للتأويل ، وأنه قوة وليس حقيقة :
” كل الأشياء خاضعة للتأويل ،وأيا كان التأويل فهو عمل القوة لا الحقيقة ”

-مما سبق يتبن لنا:
1- أن الكاتب أورد اثنا عشر مفتتحا للفصول من عنده أكدت على عمق نظرته للحياة من خلال هذه العبارات والعناوين ،وهي كما سنرى مرتبطة بأحداث فصول الرواية ،وهناك تسعة عناوين أخرى لمشاهير قرأ لكم الكاتب واستدعى هذه العبارات ليفتتح بها الفصول التسعة وهم :
( نيرلوبونتي، محمد المنسي قنديل ،إميل سيوران ، أحمد الشقيري ، محمد علي كلاي،محمود درويش ،جبران خليل جبران ،جون هارينغتون، فريدريك نيتشة )
القراءة لهؤلاء المشاهير تؤكد موسوعية ثقافة الكاتب وثراءها .
2-تؤكد عتبات الرواية العمق الإنساني لها ،كما تؤكد أننا أمام عمل مميز ،وتحثنا على أن نبحر في ثناياه ونتجاوز الشكل للمضمون ،وها نحن نفعل .
……………………………..
ثالثا : هيمنة الثوابت الإيمانية( 3-5 )
…………………………..
-الهيمنة السيطرة ، والثوابت الأمور المستقرة عبر الزمان والمكان والإنسان ، والإيمان التصديق القلبي ، وهو في الرواية يتجاوز أركان الإيمان الديني الستة: (الإيمان بالله ،وملائكته ،وكتبه ،ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره ) والتجاوز يعني هنا الاتساع ولا يعني التعارض كالإيمان بأهمية الوطن والشباب والتقدم العلمي …
-وهنا نسأل أنفسنا عدة أسئلة إجابتها تؤكد الهيمنة عمليا:
1-هل هناك سيطرة فعلا من القيم الإيمانية على السرد في رواية فوق الجاذبية ؟
2-ما تلك القيم الإيمانية المسيطرة من بدء الرواية وحتى نهايتها ؟
3-ما الدليل من واقع السرد على هذه السيطرة ؟
4-على أي شيء تدل هذه السيطرة ؟
أ-نعم سيطرت القيم الإيمانية على السرد بدءا من العتبات النصية ،وصورة الكاتب
الملتزم بالزي الوطني ،والإهداء الذي يؤكد الإيمان بأهمية الإنسان والوفاء له ،وإنزال الناس منازلها :
” إلى روح رمضان الفذة ، إلى همة خالد العالية ، إلى رؤيا فخر بنات العرب
أهدي هذا العمل لأبطاله الحقيقيين”
، ورمضان يقول في آخر ثلاثة أسطر في الرواية :
” حين سمعت جيمس يقول تلك العبارة أدركت أن خالدا نجا بحبيبته ،ستشاهدون
رؤيا فتاة يانعة .تحمل خالدا وخالد يحملها .”
رمضان الذي يمثل يد القدر ،والقدر ثابت من ثوابت الإيمان ،وبين الإهداء الذي أشاد بروح رمضان الفذة ،والختام الذي ذكر رمضان مبشرا بأمور مستقبلية تتأكد سيطرة الثوابت الإيمانية على السرد الروائي .
ب-القيم الإيمانية كثيرة ولا يكاد يخلو فصل من الفصول منها ، سنورد بعضها مقترنة بالنص والصفحة :
1- رمضان يمثل ثابت إيماني رغم التأولات المتعددة له ،ورغم ورود أوصاف تقربه للبشرية وأخرى تحلق به في سماوات الأسطورة ،وتذهب به إلى الرمز الذي
يفسر ولا يحل ،ونحن نرجح أنه يتماهى مع ذلك العبد الصالح الذي علم موسى عليه السلام ،علمه أن فوق كل ذي علم عليم ، وجعله يقف ضد الظلم ومع الحق مهما وقف الناس ضده ومهما اعتدوا عليه ، إنه يتماهى –من وجهة نظرنا -مع الخضر ذلك العبد الصالح الذي علمه الله من لدنه علما يعلو على علم الأنبياء ،وقيل أن الله أطلعه على القدر فكان هو يد القدر ،ومما يلفت الانتباه أن إرادة الخضر تماهت مع إرادة الله فيقول وهو يبين سبب قتله الغلام :
“فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحمى”(سورة الكهف 80)
ويقول :”…وما فعلته عن أمري… ” (سورة الكهف 82)
والناس تقول : إن الخضر لم يمت وأنه يسعى إلى يوم القيامة يحق الحق ويبطل الباطل وفق إرادة الله …
وعلم الخضر يعلو على علم الأنبياء ففيه إحاطة بكل المعارف الممكنة ،وإحاطة بالشرائع ،وعمل لصالح المجتمع دون اشتراط أجر .
، وقال الناس عن رمضان الكثير الذي يتجاوز الأساطير ،وأفرد له الكاتب الفصل الثاني كله ليحكي لنا عنه يقول ص19:
” وحدهم أبناؤه وأبناء أخيه من يعرفون أن رمضان مات يقينا ،وأن ما يقوله الآخرون ليس إلا أوهاما من مخيلاتهم ”
وكأن فكرة الحق وأنه يجب أن يسود ،والتي يؤمن بها الماجدون من عباد الله تعيش
بعد أن يموتوا ،وقد تعيدهم للحياة ليحقوا الحق ويبطلوا الباطل …
،وهراوة رمضان التي يعاقب بها الظلام لها عمق رمزي أيضا فقد تكون الهراوة كلمة حق أو موقف فيه حزم وتمسك بثابت لا ينبغي التفريط فيه .
2-خالد بطل الرواية حفيد رمضان ،ويتذكره رغم أنه مات وعمره عامان ،وقد ورث منه قوة جسمية متفردة ،وقوة نفسية وشجاعة حيث لا تتملكه أية ذرة خوف مهما حدث ،وخالد مؤمن أن جده بطل شريف ،وأن روحه مازالت تؤدي مهمتها حتى بعد موته إيمانه بذلك يجعله يراه في المواقف الصعبة ،ويراه ينقذه من أصعبها …
،حين سعى ليرى رؤية ويعرف سر لوحتها التي رآها في إيطاليا والتي مازال يشغله التماهي بين اللوحة وصورة رمضان وهراوته ،يتماهى جمال رؤيا مع الجمال الطبيعي للباحة ،والجمال ثابت إيماني يقول ص117:” …في طفولته كان يجلس بجوار والده في سيارته في طريق عودتهم من النقعة لقريتهم يدلفون ،كمن يطل من رأس كثيب فيرون ربوع جافان من بروقة إلى بيت حيدر رأس جبل قسيس ،وقد تغطت الجبال والتلال باللونين الأحمر الأبيض أواخر الشتاء وإطلالة الربيع ظل هذا المشهد الفذ لثمار اللوز يراوده باثا كل سعادة في خاطره …إطلالة أخرى لوجه رؤيا تفوق ذاك الجمال ،تضيف له ثمار المشمش …اليوم وجه رؤيا يعيده لمشاهده الفذة …”
،ثابت آخر يهيمن :رفض الأهل الزواج من أجنبية ،وتقبيل يد الوالدين وطلب الدعاء منهما في ص 130 :” …عرضت عليه والدته الزواج من فتاة يعرفها ،ضحك قال لها : ربما آتيك بعروس في سفري هذا لأمريكا ،وكأم رفضت زواجه من أمريكية لأنها ستكون نزوة ،وسيكون الأبناء ضحيتها ،فقبل يد أمه وقال : ستكون من الباحة يا أمي لكنها في أمريكا ، إدعي لي الله أن أظفر بها…
قالت :إن كانت من الباحة ستظفر بها .!”
،نجاح خالد في اجتياز الاختبار على أصعب أجهزة ناسا يجعله يرى رؤيا محبوبته من خلال ثوابت مهيمنةعلى عقله ووجدانه يقول في ص 175 ،ص 176:”…كم هو التاريخ الذي يوصل بينهما وروابط المكان الذي قضيا فيه فترة من أعمارهما …الماء الذي شربته في الطفولة هو ذات الماء الذي شربه ،الهواء الذي لعب بشعرها هو ذات الهواء الذي استنشقه …كل شيء يقول :أنا الذي أستطيع أن أعيدها لذاتها ، أنا من سيحميها من نفسها والناس هنا ، أنا أعرف طعم ضحكتها التي لم ينفرج فمها بها…أنا الذي أعرف مذاق حضنها ودفئه ،أنا الذي أعرف المسار الخاطيء الذي أشعرها أنه لابد من الاختيار بين الأبحاث والحب …أنا الذي في رأس كل نقطة خطت بحبر العارفين ،أنت السماء يارؤيا وأنا نجمها ، أنت المحيط اتساعه وأنا سفينة النجاة …”
،خالد يحدث رؤيا عن رمضان كثابت إيماني ص190:”…كان معي أمس اثناء وجودي في الجهاز ،لا تستغربي هو معي في كل منازلة أو تحد اقوم به ،لا أطالبك بالتصديق ،ولا أحب التوسع في هذا الموضوع ،الناس هناك مازالوا يرونه كلما خافوا أو مروا بأزمة ،أو وقع عليهم ظلم …”
3-رؤيا التي تشاطر خالد البطولة من الباحة بلدة رمضان ،وقد اختلف والداها في وصف رمضان :الأم تعتبره لصا ويعتدي على الناس بهراوته ، والأب يعتبره
مصلحا شريفا قوانينه حافظت على الأرض والقيم والمباديء ،في ص 135،ص
136تتذكر رؤيا كل ذلك :”…سرحت بفكرها للباحة حيث ذكريات قضت ولن تعود :
أم توفيت وهي في العاشرة ، وأب توفي ولم تكن أكملت عشرينها ،أم غرست فيها قصصا عن رمضان وهراوته ، كان لص ليل وقاطع طريق كما تقول أمها ،وكان شهما لا يوجد له شبيه في إنسانيته وشهامته وقوته كما يقول أبوها …”
،رؤيا تحكمها القيم الإيمانية يقول عنها الكاتب في ص 57:
“…لها رؤية مختلفة في الموت والحياة والقيامة والعذاب ، تؤمن بالله وبالرسول مع اختلاف في الوحي وفي تفسير بعض المؤولين للموت والحساب والقيامة والجنة
والنار ”
،وتنطلق رؤيا من ثوابتها الإيمانية إلى دراسة الفلك والخروج بنظرية جديدة تؤكد فيها أن الزمن خارج الكون ، وتريد أن تثبت هذه النظرية علميا ؛فإذا كان الزمن الله لا يمكن أن يحيط به الكون بل هو من يوجد الأكوان من عدم ،يقول عنها الكاتب في ص 64:” إن كل ما تحاول اختباره لا يعد إلا أن يكون تفسيرا أو تأويلا لما رأت أنه الحل الصحيح لإيمانها الديني وإيمانها بالله ،وضعف التأويلات التي يأخذها علماء اللاهوت في العلم تفسيرا لأحداث الخلق والقيامة والحساب ”
،تتحكم في رؤيا ثوابتها الإيمانية وإيمانها بالعلم وأنه لا يتعارض مع تلك الثوابت فمصدرهما واحد ،ويبدو ذلك جليا في جدل علمي يورده الكاتب ص73ص74:
“…استمر الجدل موجعا ومتخصصا بين الدكتور توماس ورؤيا لكنها ظلت مصرة على موقفها : إن هناك أشياء تخلق من جديد لم يكن لها سابق قدمت منه …
ضحك الدكتور وقال : هذا جنون يا رؤيا ،أنا أقدر لك بحوثك وجهودك وفرضياتك ،وهي تبدو جديدة ومثيرة ،لكن حين تتكلمين عن استمرارية نشوء المادة من العدم
فهذا جنون ،حاولت أن أقف معك أثناء السيمنار ومع فكرتك أن الزمن موجود خارج الكون ، باعتبار أننا نفتح المجال لأي بحث جدي ،غير أن نشوء المادة من عدم لا يمكن الإقرار به وقد وصلنا إلى هذه الدرجة من التقدم العلمي .
قالت :ألم يتمكن علماء فيزياء الكون من اكتشاف كواكب خارج مجرتنا ..”
،تستمد رؤيا قوتها من المكان والزمان والإنسان ،وهي ثوابت تقويها وتدعم جهودها
وتهون عليها مشاق كثيرة ، يقول الكاتب عن ذلك في ص 77،ص 78:” ..رأت على سبيل المثال أن الاهتمام بالبحوث الجديدة قد يماثل طلع شجرة المشمش ،ففي الباحة
كان لديها شجرة مشمش في مزرعة أبيها ،ظلت تلك الشجرة تشكل عمق الذاكرة عند رؤيا ،منذ استمعت من أبيها لتلك المعركة الشرية التي خاضها رمضان في مواجهة أعتى أسرة كانت تهم بقضم أراضي أبيها .
المشمش طلعه وثمره سريع البدء والانتهاء ،يثمر وينضج وينتهي خلال شهر واحد
….لذا كانت المعركة سريعة وخاطفة ومغرقة في الموت ذلك النوع من الموت الذي ينشيء الحياة .هذا اللقاء الذي أعده توماس يشبه معركة رمضان القديمة …استخدمت رؤيا فيها كل إمكانات التفكير لديها تماما كقوانين رمضان ،وأقوى ما استخدمته أنها قررت قبل بدء المقابلة إمكانية إلغاء البعثة والبحث لو سارت الأمور بشكل لا يرضيها
كان هذا القرار الهراوة التي استخدمتها رؤيا لإعادة صياغة الحقوق والواجبات …”
،تواصل رؤيا التمسك بنظريتها التي تريد أن تثبتها علميا وهي جوهر أحداث الرواية
وتؤكد ثقتها في دقتها تقول ص90 ،ص91:” …إنني أومن بكل ماورد في الكتب السماوية ،أومن بيوم القيامة ،والسعادة والعذاب ،ولكني أقول :إنها لا تتم وفق التصور البدائي الذي وضع منذ مئات وآلاف السنين لعقول لم تكن تدرك أكثر من ذلك إنما وفق التصور التالي :إن كل مرحلة من مراحل الإنسان قبل الموت وأثناء الموت وبعد الموت هي تحولات كونية يعلمها الله منذ الأزل وفق نظامه ونواميسه والخصائص العلمية التي وضعها فيها ،وبالتالي فإن الكون الآن ومنذ الأزل يمر بتحولات وخلق جديد في كل لحظة ،وأن القيامة هي تطور كوني علينا دراسته وفهمه ،وأن الموت مرحلة من مراحل هذا التطور ،إن الجنة بمعنى السعادة والنار بمعنى الشقاء هي تحولات كونية يتحرك الإنسان إليها تحركا طبيعيا …”
،يزداد إصرار رؤيا على رأيها وأنه يمكنها أن تثبت صحة فروضها إذا سافرت للفضاء ووصلت لحافة الكون تقول في الرد على د توماس ص 93،ص 94 :”…بل أستطيع حين أتمكن من الدوران السريع في إحدى مركبات ناسا حول أقصى الغلاف الجوي…
فهم ينوون تسييرها بسرعة هائلة جدا وأنا أرى عند هذه السرعة …تستطيع تصور حالة نادرة مما تسمونه التوسع وأنا أسميه الدوران …فلا يمكن قبول فكرة التوسع
إلا إذا قبلنا فكرتين :الأولى وجود الزمن خارج الكون ،والثانية أن كوننا يدور حول كون عملاق آخر ”
،ويبقى المهيمن الثابت الإيماني ، يصف لنا رؤيا وصفا يقربها من الأسطورة
ويعطيها عمقا رمزيا يقول عنها في ص 112،ص113:”:…تدرك أنها حين غزت هارفارد في مساحتها المفتوحة للفضاء أن الكلية ستسجل يوما أن عالمة الكون الأولى رؤية السعدي هي خريجة هارفارد .غزت قلوب الأمريكان وغزت شوارعهم ،رقصت السوينج والفالس كما لو أن المجد يدور حول عنقها ،ثم غزت الفضاء من معامل الكلية متوجهة لغزوه هناك في عقر داره ،حيث الاقتراب من الكون العملاق وجس نبضه ،لعله يسمع صوتها ،تستبق القيامة لتنفخ نفخة تذكر بها إسرافيل ليأذن الكونان بالالتحام ؛فتبدأ الدهشة الحقيقية للناس والحياة …”
، تتبع رؤيا نظريتها بنظرية ثانوية لا تتجاوز ثوابت الإيمان ص 146:”…تجربتها الثانوية تعتمد على الاصطدام بأرواح لأناس عاشوا على الأرض فيما تسميه هي خزان الأرواح في نهاية نفق القفز من الكون إلى الكون العملاق الآخر والذي سيقفز إليه كوننا كله ذات يوم حين يتم الالتحام أو ما نسميه يوم القيامة كتفسير ديني صحيح لمعتقد القيامة والجنة والنار …”
،يثبت ما تفترضه رؤيا وتؤمن به من أن الكون يدورولا يتوسع ص 215:”…أصبحت تدرك رؤيا أن القياسات الاختبارية التي قامت بإجرائها ؛لإثبات صحة افتراضها أن الكون يدور ولا يتوسع ،هذه القياسات تشير بدلالات معتبرة إلى أن الكون يدور ،وأن دورانه يقترب من الشكل اللولبي …”
، هيمنة الثوابت الإيمانية سارت مع رؤيا حتى مشهد حفل خطوبتها والتي يقول عنها السارد العليم المهيمن ص 242:”…كانت تعرف نفسها فتاة من الجمال خلقت ،ليس هناك مواصفات للجمال ليست فيها ،ومن الذكاء ما عجز عنه الناس ،قرأت العلم بمنظور جديد ،فتعرفت على الله كأعظم ما يكون ،أعادت تشكيل أمثلة الأنبياء لأنها
تدرك أن الله أتقن صنع كل شيء ،وكل شيء يسبح إليه …”
4-ثابت إيماني آخر الوصية التي نحرص على كتابتها ونحن مقبلون على نهاية الحياة
أو عند الخطر ص199:”…حينما دخلا إلى المقر الرئيس للاطلاق ، كان كل منهما قد كتب وصيته ـأعلن فيها حبه لأهله وناسه ،كتبا الوصية نفسها تقريبا :ذكريات كل منهما مع الناس والأصدقاء ،حبهما للناس والحياة والأرض ،أجمل المناظر الطبيعية التي عاشاها كل بطريقته ،كتبا عن علاقتهما بالله والإيمان والقدر ،أضافت رؤيا أنها تسير إلى الله ،وأنها تتمنى أن تشاهد طريق الجنة ،أول خطوات الآخرة لأنها لازالت تؤمن حتى الآن أن القيامة تحول طبيعي في الكون يتم بقوانين الله التي لا يمكن حسابها بدقة ،أضاف خالد :إن عالم الفضاء والكون هوايته التي طالما تمناها …وأنه في طريقه ليراه راي العين …”
-إن هذه النصوص من الواقع السردي للرواية تؤكد أن هناك هيمنة فعلية من الثوابت
الإيمانية التي لا تخفى على أي قاريء للرواية ،وهي واضحة في النسق الظاهر للرواية فنجدها بوضوح في :الله ،الرسول ،القدر ،الرسل ،الملائكة والكتب السماوية ،الأرض ،النقاء البراءة ،الإيمان الإصرار ،الشجاعة ،العدل ،الجمال …
،وقد اخترنا بعض النصوص التي تتضح فيها هذه الثوابت ،وهناك الكثير منها في ثنايا السرد في مقدور المتأمل الوصول إليها ، والتأكد بنفسه من أن الثوابت الإيمانية هيمنت
على السرد الروائي .
جـ – إن سيطرة الثوابت الإيمانية على المشاهد السردية تسري في الأنساق المضمرة ،وحقولها الدلالية كثيرة ،وهذه السيطرة تدل على :
1- إيمان الكاتب بهذه الثوابت ،واقتناعه بها جعلها تسيطرعليه قبل أن تسيطر على سرده الروائي ،فينتقل هذا الاقتناع من خلال رسم شخوصه وإلى نصه السردي نقلا طبيعيا دون افتعال ، فنقتنع بها وبه .
2- موسوعية ثقافة الكاتب ،وتنوعها ،وشمولها لكثير من مناحي الحياة ، وخبراته التي اكتسبها من القراءة ،والسياحة ،والتجارب المتنوعة ،والتي تبدو من خلال وصف الأماكن والتفاصيل الدقيقة للحياة في أماكن متنوعة ،وأشخاص مختلفين .
3- اقتناع الكاتب بأن للأدب دور فعال في ترسيخ هذه القيم الإيمانية التي ترد على
لسان الأبطال وفي المواقف المختلفة ؛فتزيد من اقتناع المتلقي بها من خلال حبه
للأبطال ؛ فيقتنع بها دون نصح مباشر قد ينفر منه ،ويستمتع بعمل العكس .
4-امتلاك الكاتب لمهارات بث هذه القيم الإيمانية من خلال الأنساق الروائية ،والقدرة على مزج الحقيقة بالخيال بصورة يصعب فصلهما ، وحسن استخدام عناصر الرواية التقليدية ، والعناصر الحداثية كتيار الوعي ، والواقعية السحرية والتحليل النفسي والاجتماعي ،والأساطير والرموز …
5- ثقة الكاتب في قدرته على التأثير في الآخرين من خلال نص روائي يتكون من آلاف الكلمات يحملها أفكاره ،ومشاعره فيقنعهم بها ، ويحقق الهدف الأسمى للفنون
والآداب فتزيد على يديه مساحات الحق والخير والجمال ،والثوابت الإيمانية تحقق ذلك
من أقرب الطرق .
-هذه بعض الدلالات وأحسبها صعبة الحصر للعمق الذي يتسم به السرد ،والرمزية التي تفسر ولا تحل والتي اتجه إليها الكاتب ،فنجد الواقعية في أبطال لهم بعد حقيقي ،وتنتقل البطولة إلى النسق الأسطوري ثم النسق الرمزي وهو أكثر الأنساق انفتاحا على تأويلات لا حدود لها ، بعضها يمكن أن يكون في ذهن الكاتب وأغلبها يؤول وفق
ثقافة وتجارب وذكاء المتلقي ،وهي أمور غير محدودة بسقف محدد …
…………………….
رابعا :أنساق الواقعية السحرية (4-5)
الواقعية السحرية أو العجائبية تقنية أدبية ظهرت في كثير من الأعمال الروائية والقصصية في الأدب منذ مطلع الخمسينيات ،وتقوم هذه الواقعية على أساس مزج عناصر متقابلة في سياق العمل الأدبي، على أن تكون متعارضة مع قوانين الواقع التجريبي ،وتوظف هذه التقنية عناصر فنتازية كقدرة الشخصية الواقعية على السباحة في الفضاء، والتحليق في الهواء وتحريك الأجسام الساكنة بمجرد التفكير فيها، وتصويرها بشكل يذهل القارئ ويربك حواسه فلا يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي، وتستمد هذه العناصر من الخرافات والحكايات الشعبية والأساطير و عالم الأحلام…
-وفي رواية فوق الجاذبية أنساق متعددة لهذه الواقعية السحرية والتي امتدت من بداية الرواية وحتى نهايتها فصارت عنصرا أساسيا من عناصر التميز ،وقد اتصلت اتصالا وثيقا ببقية العناصر المميزة لهذه الرواية :هيمنه الثوابت الإيمانية كما أسلفنا ، وتيار الوعي ،والرؤى العلمية ،والرمزية ،والتحليل النفسي والاجتماعي …
أولا: (رمضان) كشخصية أساسية تحول من بطل في الواقع إلى أسطورة بسبب روايات خيالية عنه ،وأنه يظهر للناس بعد الموت ،ويعاقب الظلام ، هذه الأسطورة سعت في واقع حياتي لبطل الرواية (خالد) فدافع عنه عندما اعتدى عليه أربعة من المتشردين في إيطاليا ، وسانده وهو يؤدي اختبارا صعبا في جهاز ناسا ، وأنقذه
من الاحتراق عندما تأخر ثوان عند العودة لمركبة الفضاء ، وختمت الرواية ببشرى
له يبشر فيها بنجاة رؤيا ،هذا الحضور الواقعي للأسطورة (رمضان ) يتعارض مع قوانين الواقع التجريبي وهو أساس من أسس الواقعية السحرية ،يقول خالد لرؤيا عن رمضان :
:”…كان معي أمس اثناء وجودي في الجهاز ،لا تستغربي هو معي في كل منازلة
أو تحد اقوم به ،لا أطالبك بالتصديق ،ولا أحب التوسع في هذا الموضوع ،الناس هناك مازالوا يرونه كلما خافوا أو مروا بأزمة ،أو وقع عليهم ظلم …”
– ورغم هذا الواقع السحري المستند إلى الأسطورة ؛فإن لرمضان ما هو أبعد من الأسطورة (العمق الرمزي ) فرمضان شهر يصوم فيه المسلون صياما يميزهم ،
مما يجعلنا نحسب أن (رمضان ) يرمز للقيم الدينية الإسلامية التي تمثل قوانين رمضان التي طبقها ،والتي يعود إليها الناس عندما يخافون أو تضربهم أزمة فترى عيونهم ما في صدورهم من أفكار عن رمضان مجسمة وكأنه بعث من جديد ليعيد تطبيق قوانينه التي تنقذهم في الملمات ،ولكن العجيب أن تظهر آثار مادية لعودة رمضان مثل آثار الهراوة على ظهور الأشقياء الأربعة الذين اعتدوا على خالد وأوشك أن يموت وهم يضربونه ،وهذا ما جعلنا نذهب إلى التشابه بين رمضان والعبد الصالح
الذي علم موسي ،وآتي ببعض الأعاجيب ظنها موسى شرا وهي قمة الخير ،وقد حول
الناس هذه القصة إلى أسطورة مفادها أن هذا العبد الصالح لم يمت ومازال يسعى يحق الحق ويبطل الباطل ،والشيء نفسه حدث مع رمضان فتراه أم رؤيا شريرا ،ويراه والدها مصلحا شريفا ،وكلام الناس عن أنهم يرونه بعد موته أكد البعد الأسطورى لهذه الشخصية التي أثرت في الحدث الروائي ، في القسم الأخير من هذه القراءة سنبسط القول في كلمته التي تفتح بابا واسعا للتأويلات :
“…ستشاهدون رؤيا فتاة يانعة .تحمل خالدا ،وخالد يحملها ”
،وهذا العمق الرمزي لرمضان يجعل ما يشير إليه يتعدد وفق ثقافة وعمق فكر المتلقي
وخبراته ،ويضيف مع الغرائبية والعجائبية ثراء للرواية .
ثانيا : النسق الثاني للواقعية السحرية في تلك النبوءة التي يحكي عنها رجل أيرلندي(بيزار ) : إن جدة العرافة (فانجا) تنبأت لجده الخامس أن من نسله اثنان سيقودان للسماء وكان يظن أنه واحد منهما لكن أخته (كريستينا ) هي من أنجبت
(توماس) ،وأختها فيرجينيا أنجبت (جيمس ) وهما اللذان عملا في ناسا و قادا مركبة
فضائية فعلا .
إن تحقق نبوءة العرافة بعد أكثر من 300 سنة يتعارض مع قانين الواقع التجريبي
لكنه حدث فعلا كما تحكي الرواية ،وهو ما يؤكد أن الواقعية السحرية تلعب دورا مميزا في هذه الرواية …
ثالثا : (خالد ) حوله الكاتب من بطل عادي إلى أسطورة ،وهو يرفض الانسحاب من تجربة الجهاز الجديد الخطير لناسا ،وقد انسحب أحد عشر متسابقا عندما علموا بخطورة الجهاز ،ولأنه حفيد (رمضان) لا يشعر بذرة خوف ،ويملك عضلات أسطورية لا توجد إلا عنده ،ونجح نجاحا أسطوريا على الجهاز وفي الواقع الأصعب
،وتؤكد رؤيا هذا الجانب الأسطوري لخالد تقول عنه ص242:
“…ضرب برجله الأرض فقفز للسماء دفعة واحدة ،تعرف أن صورتها هي ما أعطاه القوة ،وهي ما جعله يخلف كل قوانين الفيزياء والكيمياء ويعود للمركبة سالما دون أن تكون هناك ذرة شك أنه قد احترق ”
هذه العبارة تذهل القاريء وتربك حواسه فلا يميز الحقيقة من الخيال ،ذلك كنه الواقعية السحرية .
-و(خالد) مثل جده (رمضان) يشير إلى عمق رمزي أشارت إليه رؤيا وهي تحاور د توماس حوله عندما خرج من الجهاز منتصرا ،وسئل عن حبيبته ،فرفض أن يقول اسمها ،ورفضت أن تعترف أنها حبيبته ص179:”رؤيا وقفت وصفقت بحرارة لخالد ثم جلست فاقتنع المذيع والجمهور أنها ليست حبيبته …
نظرت لدكتور توماس وقالت :
الأبطال يظلون أبطالا حتى تحت الموت ،هم أبطال حتى على قلوبهم ؛فالبطولة يا دكتور لا تتغير .
قال دكتور توماس :ألم تسمعي ،لقد قال أنا لست حبيبها ،لو قلت أنا حبيبته لقفز من هناك إلى هنا .
قالت :ما كنت لأكذب على بطل هكذا إنه رمز سيبقى خالدا للبطولة …”
-وبين البطولة العربية وكنه المجد العربي تتواتر التفسيرات التي يشير إليها (خالد)
دون تغليب تفسير على آخر
رابعا 🙁 رؤيا) بطلة بين الواقع والأسطورة والرمز ،بطلة في القدرة على تحقيق الذات ،بطلة في الحفاظ على قيمها ،بطلة في قهرها الصعاب ،وفي حفاظها على النقاء ،بطلة في عبقرية بحتها العلمي الذي أصرت عليه ،ففرضت الفروض وأختبرت صحة الفروض ووصلت للنتائج ،وهناك بون واسع بين البحث العلمي والخيال العلمي البحث العلمي مثل :ما قاله جاليليو عن كروية الأض ،والخيال العلمي ما تخيله مايكل أنجلو لشكل الطائرة ورسمه ،وبعد مئات السنين ظهرت الطائرة في الواقع .
-إن وصف رؤيا الفيزيائي ،والنفسي ، والاجتماعية يربك العقول ،ويجلها تتساءل أيوجد مثل رؤيا على أرض الواقع يقول الكاتب عنها ص241:
” رؤيا التي تفتح قلبها كحبة دست في أرض يابسة فاجأها المطر وضربت الأرض بجناحها وخرجت للهواء ،وتفتح قلبها منذ وضعت رأسها على كتف خالد وهما في القطار ،دبيب بدا يعتليها ،ولهفة في القلب ما كانت تدركها ،وحين فتح تفاصيل سيرة رمضان الذي حافظ على أرض ابيها وكرامته ،أدركت أن قلبها ينفتح باستمرار أمام هذا المختلف المكتسح .حين شاهدته يرعاها كطفلة ،يصدقها كنبي ،يحترمها كأب ،ويحبها كشقي …”
نص مربك للعقل كواقعية سحرية في وصف رؤيا مع التركيز في آخر ثلاثة أسطر ،فهو ينقل رؤيا من نسق البطولة والأسطورة لتكون رمزا لوطن أبي لا يشبهه وطن جنة خلد تحمل مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر…
-ويؤكد ذلك في فقرة قصيرة يقول فيها ص242:
“… تعرف أن حياتها عزف ولحن ورقص لكل معاني الجمال ،وتعلم أن الناس لا يحلمون بها ولا يفكرون ؛لأنهم مقتنعون أنهم لا يدركوها …”
يبدو أنها الأرض والسماء والماء والهواء والغذاء ، وتاريخ الجدود والآباء المثالية في ابهى صورها يسعون إليها وهيهات أن يصلوا لقمتها .
-لقد تفردت رؤيا بالبطولة رغم سطوة رمضان وقوة خالد لأن رؤيا بطلة نامية متفردة
وباقي الشخوص لم يدركهم النمو ،رسمت ،ودرست ، فكرت ،وناقشت ، وبعد أن كانت ترفض الحب وتضحي به من أجل البحث والدراسة أفاقت وأدركت أن الحب الحقيقي
حياة ما بعدها حياة فأحبت خالدا وأعطته أكثر مما تعطي الأنثى لمن تحب ،تقول في
ص242:”…ترك أهله وملذاته وأعماله كي يكون جوارها ،لم يفقده التجاهل صبره ،
ولم يزده الصد إلا إصرارا كأنه خلق لوحده .لم تسلم زمامها إلا له ،علمت أنه الذي على صدره تنام ،وبحماه تأمن ،فسلمته قلبا لم يحلم به أحد قبله ، سلمته كنوزها وجمالها ،وعلمها ،وطموحها ؛لأنه دفع ثمنها مقدما دون أمل كبير …”
إن لم نكن أمام أسطورتين فنحن بالتأكيد أمام رمزين بديعين ملهمين منفتحين على تأويلات كثيرة تكوثرت فيهما الغرائبية والعجائبية والواقعية السحرية …
خامسا:مع تداخل الأنساق في الرواية نجد تقنية حداثية أخذ منها الكاتب ما يلائم روايته ولم يغرق فيها فيصيبنا الضجر (تيار الوعي ) أو (الديالوج الداخلي ) وحديث النفس ،سنلاحظ أن الكاتب عندما يتجه لتيار الوعي ينتقل من تقنية السارد العليم المهيمن
إلى السرد المباشر بضمير الأنا يقول ص164:
” …إذا تكلمتُ مع خالد: ماذا أطلب منه ؟
أن يؤدي مسابقة الجهاز ؟
هل أطلب منه أن يبقى ؟
هل أدعي حبا له لا أملكه؟
هل لو طلبته لإكمال الحديث سيوافق ؟
هل دمعته تلك كاذبة؟
لو كانت صادقة فهذا أسوأ ،ليس لي مطامع في حب أو زواج أريد أبحاثي فقط، ستنهار ابحاثي لو غضب توماس .
لو طلبته الآن على التليفون سيرد ؟
أظنه لن يفعل ،ساطلبه من رقمي الذي يعرفه حتى لو أراد أن يرد تكون لديه فرصة،يارب ما يرد ؛فأرتاح من إزعاج دكتور توماس…”
،ومع الحوار الداخلي لعب الحوار الخارجي دورا مميزا في الرواية جعل أنساقها اللغوية أكثر حيوية ،كما تميز بأنه حوار عقلي منطقي راق ،وكأنه مباراة لغوبة
-يسأل خالد رؤيا بعد أن اتصلت به:
“…كيف أكرمتني بهذه المفاجأة ،مالذي حركك؟
-الذي طلبت أنت منه أن يدفعني لذلك .
-الله .؟
– دكتور توماس
-ما طلبت شيئا من غير الله منذ خلقت ، لماذا تضعين هذا الرجل دوما بيننا ؟
ما الذييي يدري توماس بما ذار بيننا ؟
-ولم تخبرينه ؟
ضحكت أنا أخبرته يا خالد ؟!
فمن يكون إذا ؟
أنا أخبره ولم أحادثه ولا مرة واحدة في حياتي ؟”
،ومع الحوار الداخلي والخارجي نجد التحليل الاجتماعي والنفسي للشخصيات ما
حدث مع جيمس وتوماس ومير …
سادسا : ومن أكثر الأنساق السحرية تأثيرا اللغة الشاعرية : فكرة ،وعاطفة ،وخيال ،وموسيقى هذه اللغة الشاعرية سر أسرار الجمال في هذه الرواية ،تبدو من خلال لوحات عناصرها الرئيسة :الصوت واللون والحركة ، في ص182 لوحة تعبر عن حالة رؤيا بعد أن نجح خالد في الخرج من تجربة الجهاز الخطيرة جدا :
“…لم يكن أحد يعرف أنه سيخرج أم لا ،وجدت شفتها ترتعش ،وأجهشت بالبكاء .كم أنت وحيد وقلق في هذه اللحظة ياخالد .رأته تفصيلا حين خرج من الجهاز مشرقا سعيدا ،رأته ينظر جهتها .
أيعقل أنني الوحيدة التي خطرت في باله في هذه اللحظة الحرجة ؟!”
،وتتأكد الشاعرية الساحرة بأن يورد الكاتب نصوصا شعرية قصيرة مثل ما أورده في ص 139 ،150 :
لا تعلني وفاتي لا أزال هنا
نبع من الشوق في نبض من القلق
لا تخذلي شفاة عزفها ألق
فطائر الشوق يغفو داخل الأرق
لوحة رسمت بالصوت واللون والحركة:
(تعلني –نبض –نبع طائر –شفاة –تغفو )
-وأنت حبي ومشكاتي وأحلامي
لك الحروف تغني وهي تبتسم
إن جن ليل على أرض يغازلها
تراقص الضوء من يديك للقلم
ما دار بدر على كفيك في وله
إلا لتنمو شموس الحرف في العتم
مقطوعة شعرية ثرية بالمعاني والمشاعر والخيال ، لوحة -الصوت واللون والحركة -ترسم روعتها …
هذه الأنساق والحقول الدلالية تتداخل وتتآزر لتنقل لنا الأفكار والمعاني المشاعر
والأحاسيس ،ومن خلالها يحقق الكاتب أهدافه من الرواية.
……………………………………….
خامسا :الختام (5-5):
أ- الرواية الجيدة كاي عمل فني مبدع نتخيله كائنا حيا جميلا متناسقا له:
رأس ،وقلب ،وروح ،وجسم .
-الرأس: الأفكار والمعاني والأهداف.
، والقلب: المشاعر والعواطف والأحاسيس والوجدانيات .
،والروح: الحيوية والحركة
، والجسم الصياغة التعبيرية .
، تأخدنا لعوالم هذا الكائن الجميل الذي يؤثر فيمن يقترب منه وكلما اقترب
زاد الأثر فيزيد الاقتراب أو نؤثر السلامة ونبتعد …
ب- رواية فوق الجاذبية كائن جميل رأسه يتناسب مع جسمه فلا نراه وقد تضخم رأسه من الإغراق في الذهنية ،ولا نراه جسما بلا راس تحكمه استرسالات وجدانية بلا هدف ،نراها روحا وثابة ،ومشاعر راقية ،نرى جسما تناسقت أعضاؤه وتكاملت: الزمان والمكان والشخوص والعقدة والحل …
ج-هذا الكائن ابن القرن الحادي والعشرين تسري فيه ملامحه: التقدم العلمي المبهر ،والصراع على استقطاب العقول الذكية والأجسام القوية ،وهو صراع يصل
إلى الوحشية في بعض جولاته ،ويحول الإنسان إلى آلة أو رقم …
، وفي أنساقه تقنيات حداثية:الرمزية ، التيمات الثقافية ، والواقعية السحرية ،وتيار الوعي ،والتحليل الاجتماعي والنفسي ،والمغامرات ،وتداخل المصنفات الأدبية …
، وتزينه الشاعرية ويتخللها الشعر ،ويخرج الشعر عن أطره التقليدية ليقترب من النثر ،ويحتدم الصراع ويقوى الحوار وكأنه مسرحية…
،والفيصل الدال على النجاح التأثير في المتلقي ، وتحقيق الهدف الإنساني الأسمى للفنون والآداب :زيادة مساحات الحق والخير والجمال ،وأحسبهما تحققا.
د-الرواية تنبه إلى أن جيل الشباب الحالي ،و الأجيال القادمة في الشرق العربي قادرة على المنافسة والتفوق ، وأن تمسكها بثوابتها الإيمانية وبحقوقها المشروعة وفق منظومة إنسانية للحقوق والواجبات واقع ملموس ،هذا التمسك لا يتعارض مع العلم وتقدمه المذهل ،وتلفت النظر إلى أن التقدم العلمي لم يواكبه تقدم خلقي وإنساني –
مير يدفعه حقده الدفين إلى ترك خالد دون اطفاء النيران المشتعلة فيه انتقاما منه لخلافات كانت من مئات السنين – ونظرية الثأر تقوم على الجهل والتخلف ،فكيف لرائد من رواد الفضاء في أعلى المستويات العلمية أن يكون بهذا المستوى المتدني من الإنسانية ..!
هـ-فكرة أن الزمن خارج الكون،وأن الله يوجد من عدم ،وأن كوننا يدور حول كون أكبر ،وأن التحام الكونين ينقلنا من حياة لأخرى ،وأن الله قادر كل شيء بحكمة وبمقاييس لايمكننا إدراكها ،هي فكرة متطورة لما دُوّن في اللوح المحفوظ ،وفي كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، يقول تعالى :”يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ” 39 سورة الرعد ، ويقول تعالى :” ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ” 2 سورة الفرقان …
،وهو أمر لا يمكن أن يتعارض مع العلم رغم كون العلم يقف أمامه عاجزا ،فلو استطعنا أن نلم بالمقاييس الإلهية لاستطعنا أن نوجد من عدم ،ولاستطعنا أن نعرف
سر الروح التي هي من أمر الله ،والله أكد لنا أننا لن نستطيع أن نفعل أقل من ذلك لن نستطيع أن نؤلف كلاما مقدسا مثل ما أوحى به في كتابه الخاتم:
يقول تعالى :” …وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين …سورة البقرة 23-24″
،وأننا لن نحيط بكنه الروح :
“ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ،وما أوتيتم من العلم إلا قليلا .سورة الإسراء 85″
،وقد أكد الكاتب -على لسان رؤيا – إدراكه لهذه الحقيقة :” …إن القيامة تحول طبيعي في الكون يتم بقوانين الله التي لا يمكن حسابها بدقة …”
و- إن التأمل في الفضاء والسفر عبر أقطاره ملهم ،وغاية في الأهمية لا يمكن أن
نعتبره خيالا علميا فالبحوث العلمية تقوم على فرض الفروض واختبار صحة الفروض والوصول للنتائج فإذا أخفقت أعادت فرض الفروض حتىي تصل إلى النتائج المرجوة
،لقد دون بعض رواد الفضاء الروس: إنهم عندما صعدوا إلى الفضاء ورأوا الإحكام الكوني تأكدوا من وجود قوة عظيمة عاقلة قادرة هي التي تحكم وتنظم هذا الكون
،وبالتأمل الحر وإعمال العقل وصل إبراهيم عليه السلام إلى حقيقة وجود الله ،وأكثر من ذلك وصل إلى أن الله واحد لا شريك له .
ز-وقلب هذا الكائن يحمل مشاعر كلها رقي وحرارة وإنسانية :الإصرار على مواصلة البحث مهما حدث ،الرغبة في النجاح ، الرغبة في الفوز ،رقة المشاعر تأكدت في تعلق خالد برؤيا ، وفي بكاء خالد عندما بكت رؤيا ، وقوتها بدت في إحساس خالد بالمسؤولية تجاه رؤيا ،وفي تحول قلب رؤيا تجاه خالد ،وتعلقها به ،قلب لا يستسلم للكراهية حتى لو نضحت بها قلوب بعض الناس .
ح-الروح الوثابة بدت في القوة الأسطورية لخالد ، وقوة الجدل العلمي العقلاني لرؤيا
وقوة رمضان في الحق ،ونجاح خالد في إنقاذ رؤيا من تدمير عقلها لكي تنسى بحثها الذي اثبتته والذي سيغير كثيرا من نظريات العلم .
ط-جسم هذا الكائن متناسق ومدهش السارد العليم المهيمن ،ولغة شاعرية ملهمة ترسم لوحات فنية ،لغة فصحى حتى في الحوار ،هنات لفظية لا تؤثر على وصول
الفكر والإحساس ،ولا تعوق تحقيق الأهداف ،هذه الأهداف التي أحسبها أهم ما من أجله ظهر هذا الكائن إلى حيز الوجود :
1-من يقرأ الرواية لابد أن يحب رمضان ،ويحب رؤيا وخالد ويفخر بهم ،ويتمنى أن يلتقي بمن يشبههم .
2-من يتأمل الرواية سيكره مير وجيمس وانحدار المستوى الأخلاقي لبعض من وصلوا لأعلى مراتب العلم ،ويدرك أن في الأرض الكثير من الحفر كما قال خالد .
3-من يتبحر في الرواية ستثبت عنده الحقائق الإيمانية ،ويثق أنه لا خلاف بين هذه
الحقائق والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره
4-من يكرر القراءة والتأمل ستزيد قدرته على استخدام المنهج العلمي في التفكير
والمنطقية في الحوار ،وتزيد قدرته على الإقناع بالأدلة والبراهين العلمية
5- من يفهم الرواية سيتأكد أنه مسؤول- وفق منظومة للحقوق والواجبات -عن نفسه
وعن كل من هم تحت رعايته ،مسؤول على أن يطور نفسه ليكون جديرا بالمكانة اللائقة له كإنسان سوي علما وعدلا .
6-من يعمل عقله في تأمل الأنساق المضمرة سيتأكد أن الله ليس كمثله شيء ،وأنه عز وجل اختص نفسه باشياء لم يعط الإنسان القدرة على صنعها لحكمة إلهية لا يدركها الإنسان ،وهو أمر إيماني لا يقلل من إنسانية الإنسان أو من حب الله له ،فالصانع أدرى بما تنصلح به أحوال صنعته، والصنعة لا تحيط بكنه الصانع …
7- من يعي قلبه ما وراء الألفاظ والجمل من مشاعر إنسانية راقية سيحسن معاملة المرأة ،ولن يرتكب العنف أو التمييز ضدها فهي كائن كامل الإنسانية يستأهل الاحترام والتقدير ،ويكون عادلا معه وكأنه جزء لا يتجزأ من روحه ،وقلبه وكيانه ،فالمرأة جمال ، سكن ،ووطن ،وروعة ،وبهاء ،ورقة ، وخصوبة ،وخلود …
هذا على سبيل المثال وايس الحصر .
ي- أتمنى أن يكون للرواية جزء ثان ، وفيه تغلق ثغرات هينة في السرد ،فيلقى الضوء أكثر على: كيفية حصول رؤيا على الدكتوراة قبل أن تثبت صحة نظريتها ،وكيف أعادت تمثيل الأنبياء ،وأن يعاقب مير على محاولته قتل خالد بعدم إطفاء النار ،وأن
تشكل رؤى فريقا علميا ملهما يأخذ مكانته التي يستحقها تحت الشمس .
ك- آخر ما تتناوله هذه القراءة السريعة ختام الرواية الذي جاء على لسان رمضان
“…ستشاهدون رؤيا فتاة يانعة ،تحمل خالدا ،وخالد يحملها .”
هذه العيارة رغم كونها مختصرة جدا فهي تمثل نقطة تنوير حقيقية ، لأنها تؤكد العمق الرمزي للأبطال :رمضان وخالد ورؤيا ،وفي صورة واقع سحري ملغز ، كما تؤكد قوة ارتباط رؤيا بالخلود ،وقوة ارتباط الخلود بها ،والخلود واقع سحري لخالد ،وفي النسق المضمر رؤيا تحمل سر الخلود ،والخلود لا ينفصل عنها ،فقد تماهت معه فصارت وطنا ،وفي عمقه مقدس تتجه إليه قلوب وأفئدة الملايين مهما تباعدت الأماكن والأزمنة ،وصار التأمل فيه قربا من الله ،وراحة وسكينة لا مثيل لها ،ومن ذاق عرف
ل-هذه قراءتنا للرواية ،لا نفترض فيها الكمال ؛فهو مستحيل ،ولكن السعي إليه مشروع ،فإذا تماهت القراءة مع ما قصده الكاتب ؛فذلك نجاح لها ، وإذا اقتربت فقط وحلقت في سماوات أخرى- رغم التزامها بالنصية ؛فذلك نجاح للكاتب الذي أبدع نصا منفتحا على
آفاق كثيرة للتلقى ،لقد سعينا ولم ندخر جهدا ،ونشكر الله أن وفقنا لهذا ،ونشكر الكاتب أن أبدع ونسأل الله له ولنا المزيد من الإلهام والتوفيق لما يحبه عز وجل ، وما يرضيه عنا …
وعلى الله قصد السبيل …
القاهرة
يوليو2021

التعليقات مغلقة.