موسوعة مبدعو مصرمقالات

موسوعة كتاب القصة والرواية بمصر / الاديبه / حنان فتحى

سيرة ذاتية
المؤلفة
حنان فتحي في سطور
كاتبة وعضو اتحاد كتاب مصروعضو بأتيلييه ونادي أدب المنصورة وعضو برابطة الأدب الإسلامي
وعضو دائم بصالون المبدعات بقصر ثقافة المنصورة
صدر لها :
الشوق في المنازل ـ قصص 1990 ، تحولات في كيميا البشر ـ قصص 2010 ،غنيوات من قلب البنات ،شعر 1993 ، عيون شباكي ـ شعر 2010ويناير قلبى ، قصص 2011م ، ليال شرقية ، رواية من أدب المستقبل
رواية مقام الصفا عن مكتبة الأدآب
كتاب أبو بكر الصديق تأملات ومشاهد
– نشرت أعمالها في مختلف المجلات والجرائد ، وشاركت فى المؤتمرات الأدبية والمحلية و العربية.
-كرمت من هيئة قصور الثقافة وتسلمت الدرع لإثراء الحركة الأدبية

• رصيد علمي :
• بكالوريوس هندسة مدنية 80/81 وليسانس آداب لغة عربية 86/87 ودبلومه في اللغة العربية 89/90 ودورات في علوم الشريعة والكمبيوتر
• التواصل مع الكاتبة :
الموقع الالكتروني على جوجل
( الأديبة حنان فتحي )
01061818219

الوجة …..

قصص قصيرة         حنان فتحي

 

ملكية غير مسجلة

 

ملكية غير مسجلة

 

 

تبددت حسرتها عقب أن طالعت عدة كلمات في كتاب ضمته بحنان إلى صدرها !!

اليوم فقط تتبدل مشاعرها . تدلف إلى عالم سماوي لتمتلك ما بين السماء والأرض في رحابة ويسر .

انزاحت الهموم عن كاهلها . شعرت بجسدها الثقيل يخف وزنه . يشف . غدت تستطيع التحليق وهي ممسكة بالكتاب بأيدي باردة ومرتعشة . تشق الفضاء من حولها كالفراشة بعيدا عن كل ما يؤرق عقلها ؛ ويحاصر قلبها باسيجة من كدر الحياة .

اليدان المتشققتان المرتعشتان لا تكفان عن غسيل الملابس والأواني وإعداد الطعام ؛ ثم الذهاب للسوق ؛ وتهيئة الأجواء الهادئة لمراجعة الدروس مع أولادها .

تتأملهم يكبرون …. و ….. ينجحون و …….

وتتأمل رحلة عمرها التي تشرف على الستين . لم تهنأ خلالها بامتلاك شيء  تحبه ….. الذين يملكون هم الرجال من حولها .. الأب يملك … الأخ يملك … الزوج يملك …. حتى الأولاد الذين أنجبتهم يملكون وقتها …… وقلبها …. وعقلها … وكل شيء يملكونه !!

لم تسمع كلمة دافئة تذيب الثلوج التي حطت على جسدها لعلها تستطيع أن تتخلص من آلام الظهر المزمنة ؛ وتسرب الشيب إلى شعر رأسها .

:::::

تمر الأوقات …. الشهور … السنون على الأم المهمومة والموهوبة أيضا . وتتذكر أن لها ركنا صغيرا كانت تحتفظ فيه ببعض الكتب .

تقرأ الإهداء المكتوب بقلم إحدى صديقاتها :

“” إلى التي ملكت الموهبة ووهبت حياتها في سخاء لمن يستحقون ومن لا يستحقون ….””

تسللت الكلمات إلى كيانها . تفتح أمامها كوه صغيرة من الأمل ؛ يتبعها سرداب طويل . تعزم على المرور لآخره . ينبلج فجر الفضاء الرحب . ابتسمت توقا وشوقا بهذه الملكية ؛ وإن لم تقو على تسجيلها ورقيا ؛ فقد سجلتها على حنايا قلبها .

أجهشت بالبكاء اللذيذ . شعرت بالدموع العذبة تنساب كشلال يغسل قلبها من الأوجاع .

تنهدت في ارتياح وطرب أثناء توجهها إلى المطبخ لتعد للأولاد طعام العشاء .

 

 

 

 

 

 

أمــــــــــــــــومة

 

أمومة

 

 

_ 1 _

 

ها هي أول تكشيرة ؛ ترسمها علامات الحيرة ….

خطان فوق العينين المجهدتين … للأم المتعبة الشاعرة والمشغولة دائما …

 

فالحيرة جدُ كبيرة … أن تختار الشاعرة بين الأمرين … فقط –   يا غدها – بين الأمرين !! .

فهل ستلبي دعوة أخيرة !! ؟

أم تشبعها الدعوة الأولى !!؟  فالحيرة جدُ كبيرة

 

(أ)

الآن… صورتان ترسمهما الشاعرة لغدها الآن … (صورة من مؤتمر اليوم الواحد :  يبدو فيها الشاعرات والشعراء …وتنشد بهجتها من تلك الأجواء … تتلمس رعشة من يدها … تتغامز معها الأضواء … أن تنعشها اللقطات لأحلى تكريم … وتناديها الكاميرات لأجمل تصوير .)

 

 

الآن … صورتان ترسمهما الشاعرة لغدها…

( صورة من حفل الافتتاح : تتقافز الشاعرة الودود … في مقعدها المعهود … بجانب صديقتها في العمر الممدود …

إذ تقضي معها الأمسية ، لليلة الأولى في شركتها الهندسية … ووقت إجراء السحب ، …. تتعانق فرحتان … وتتراقص وردتان … وتتناغم صديقتان )

 

(ب)

الآن… يتأرجح للشاعرة مكانان …

( مكان السفر المفتوح : طرق هنالك زراعية … بروائح القرية العطرية….

ذهاباً لحضور المؤتمر … بين صحبة نخبة من الرفقة الأَعلام … وإياباً سترجع – وملء كفيها – مدن الأحلام )

 

والآن … يتأرجح للشاعرة مكانان …

( مكان بقلب مدنيتها : فرحتها … طفولتها … صباها … ونشأتها … حيث لقاء الصديقات وفتح حقائب الذكريات ….

ذهاباً للحفل برفقة صديقة الأيام … وإياباً ستعود – ملء صدرها – عطر الأنسام )

 

( ج )

قليل … من بعد الآن … تغزوها فوق الحيرة الأحزان …

أوجاعا ظهرية تباغتها … تعض أطراف أناملها … وتمتص الألم بساعدها …

المتعبة تطلبُ – لغدها – أن تنام …

 

( د )

صباحاً تنهض … مع الحيرة والأوجاع … ترتدي زيا يناسب ثلاثة أمكنة :

لأن تذهب للطبيبة التي تعالجها … أو لأن تحضر مراسم المؤتمر … او لأن تتهيأ لحفل الافتتاح .

 

صباحاً تنهض … مع الحيرة والأوجاع …  ترتدي زيا يليق بكل هؤلاء :

معطفها الأسود المحلى بخيوط حريرية سوداء …من حافة أساوره … وعلى كولته الكبيرة … وغطاء الرأس المتماوج بثلاثة ألوان … الأسود والأبيض والأحمر .

 

 

_ 2_

ومن بعد دقائق معدودة …

الأم قدماها تقوداها ، إلى مبنى الإدارة الحكومي .

تصعد السلمات الصغيرة مسرعه وبيدها الأوراق . سريعا تهبط لتصوير المستندات حسبما قال لها الموظف بالإدارة !!.

 

ثانيا تصعد السلم الضيق . تمسح عرق جبينها . تزيل رويدا تكشيرة المساء الماضي . وفي الجسد النشط تذوب آلام الظهر وتنداح !!

 

تلك الآلام التي استحالت إلى حركات عادية تصحبها طاقات نورانية. تخطو خطى الواثق بعقل يحدد هدفه وتجاهه ، ولسان مهتم بسؤال وحيد “” أين طريق الوحدة الحسابية في المبنى “” ؟!

 

 

 

_3_

 

الأم الأم الأم … تحرص وتتأكد فقط أنها قامت بكل ما طلبته منها ابنتها الكبرى الموظفة حديثا بالإدارة .

الأم الأم الأم … ما زالت تروح وتجيء بحوش المبنى الإداري . تعيد في ذهنها ما كلفتها به ابنتها بتليفونها الصباحي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أفراح مبتورة ….. لم تزل !!!

 

 

أفراح مبتورة ….. لم تزل !!!

 

 

تجدونه هناك …. لم يزل !!

انظروا – إذا شئتم – إلى صفاء لونه ؛ فما زالت السماء تعيره من أقطان سحبها الألوانَ .

 

وتجدونها الأخرى هناك …. في الخزانة المقابلة لم تزل !!

اشتموا – إن شئتم من أريج عبقها ؛ فما زال البرتقالُ يعيرها من لونه ؛ وبالزيوت الطيارة يعتقها من قشره .

 

ستجدون الثوب القابع في حقيبته ، منذ أن اشترته العروس على حالته ؛ تبدو على لفافته بصمات البائعة … لم يزل !!

وستجدون العلبة البرتقالية  ،  بداخلها قطع من الذهب : قرط ُ ُ… عقدُ ُ .. خاتمُ ُ .. وسوارُُ ، تماما كما رصهم بائع الجواهر يشكلون طاقما رائعا … لم تزل .!!

***

أترى كان مقدور هذا الثوب السماوي ، وربما أثواب مثله عربية الطراز .

ومقدور علبة الشبكة الذهبية ، وربما علب كثيرة قبلها شرقية الصنع ، أن يصبح مصيرهما الحبس داخل خزانات لبيوتٍ  بدائيةٍ بسيطةٍ … أفراحها مبتورة .!!؟

 

أم أن الموعد الذي كان قد تحدد مرارا ، لحفل الخطبة .. كان دائما يصادف يوم جمعة !!؟

وأن تجمع الأهل والأقارب في صالة بيت العروس ، البيت الذي خيم عليه الحزن … وكانوا يرتدون ملابسا عادية ، ويتناولون شايا عاديا ممزوجا بالأحاديث العادية … كان أيضا في يوم جمعة !! ؟.

وأن الأسرتين اللتين ستصبحان فيما بعد أسرة واحَدةَ – كانوا قد أسموها “” جمعة الدموع الغزار “” – على فقد القريب الجار ، والذي استشهد في عراك المظاهرات الماضية في جمعة كان الثائرون قد أسموها بجمعة تحديد المصير .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

توافقات … أم البنات

 

توافقات … أم البنات

 

 

تتأملين بشدة .. وتندهشين بشدة ، فى عالم ملىء بالمدهشات !!

وتستوقفك دائما تلك التواقفات الغامضة بين أشياء ربما تتشابه فى الصورة لكنها تتباعد مكانيا وزمانيا ، بينما حدوثها يأتى بنفس الصورة والكيفية !!

لحظات لقلبك ِ.. لعقلكِ .. لوجدانك .. لحظات هى لكِِِ يا أم البنات !!

لك فيها أن تغنمين .. وتتسائلين : “” هل يمكن أن يتكر موقف ما أو حدث بنفس الطريقة ويحمل نفس الرائحة وله نفس الأثر؟ “” .

ومن حقك أن تأتى إجابتك : “” …. بالطبع لا “” .

ولكن … ؟ !!

بم تسمين هذا الذى حدث لك البارحة … تتنقلين ثلاث مرات : من بيتك إلى موقف بلدك .. ثم إلى موقف عربات بلدة بعيدة .. ومنه إلى موقف بلدة أبعد للوصول إلى عملك ،…ويتصادف أكثر من مرة .. أن يأتى جلوسك التلقائى فى نفس المقعد من المينى باص ويكون فى الصف التالى للسائق ، وناحية الشباك ، وعلى يمين الركاب ، ثم تلمحين بجوارك ـ عفويا أيضا ـ سيدة .. فى كل مرة تبدو سمينة للغاية ، ثم تبدأ الحديث معك بنفس الكيفية .. وتسأل عن اسمك وعملك ، وعندما تسمع إجابتك … يأتى الرد متشابه أيضا :

 

“” لماذا لا تنقلين عملك إلى بلدتك بدلا من السفر اليومى ؟ “”

…. وبالتأكيد فى كل مرة لا تردين …فلن تستوعب سيدة تتحدث عن أسعار الفواكه والخضروات الذى يرتفع … ويشغلها قضايا تزويج البنات ، وعلاج منع الحمل ، وعن الابن خريج الجامعة الذى لا يجد عملا … أو عن المقارنة بين ماركات الأدوات المنزلية والحلى وأنواع المساحيق !!

كيف تعى من تشغلها تلك الأمور مع ما يشغل داخلك أنت يا شاعرة … ويا أم البنات ؟!!

هل ستصدق أنك ضد مهنتك .. لا ترغبين كثيرا فى البناء الخارجى والاهتمام بمنشآت جامدة … على حساب البناء الوجدانى وتحولات البشر .

وكيف يكون استقبالها وقولها إذا أعلنت أنت لها عن رغبتك فى التخلى عن وظيفتك المرموقة من أجل التحلى بقرارات تشع باضاءات نورانية لعقلك وقلبك ؟

… وفى كل مرة تلوذين بالصمت ، وتمضين فى طريقك اليومى … ، وتلقين بالشال الأسود حول كتفك ، ثم تضعين حقيبتك بجوارك بعد أن تستخرجى منها حافظة النقود الصغيرة بهدوء ، وبحرص شديد ، ثم تعطين “” الفكة المعدنية “” ، الأجرة لمن تجاورك بالمقعد ، لتبدين فى كل مرة بسمات وظيفية تتحلى بها موظفة عادية !!

إنها هى التوافقات .. تلك التى تجعلك فى حيرة وتأمل !!.

 

وبم تفسرين تكرار عودتك من العمل لأيام متباعدة ، لكنها متشابهه  ، وأنك تمرين على نفس البائع ، وتشترين منه نفس الأشياء ، وتضعينها أمام باب البيت بنفس الطريقة : … تفتحين الباب ، فيتلكأ المفتاح قليلا بين يديكِ بنفس القدر الزمنى ، ثم أنك تحملين مشترواتك بيدك اليسرى وتتركينها فى مدخل البيت بأكياسها  وحقائبها … إلى حين تأتى بناتك … ويحملنها إلى الدور الثالث ، حتى يخففن عنك الحمل وآلام الظهر برغم آلامهن الكبيرة !!

ثم تصعدين سلمة … سلمة … وترددين نفس الكلمات ، … فى كل سلمة تذكرين اسما من أسماء الله الحسنى إلى أن ينفتح باب الشقة وتجدين بناتك الثلاث … وهن متعبات بنفس الكيفية … ونفس الشعور !!…

كبراهن … “” التى تعمل صحفية ما زالت تشكو أوجاعا فى كتفها وصدرها أثر “الخرطوش” الذى أصابها  أثناء تغطية الأحداث الأخيرة وهى تؤدى وظيفتها “” …

والابنة الثانية… “” الطالبة بكلية الهندسة… مازالت تشكو ألما وضعفا فى ساقها بسبب المظاهرات التى اجتاحت الجامعة “” .

وصغراهن… “” ما زالت تربط شاشا أبيض على عينها اليسرى من أثر الحجارة التى كانت تقذف أثناء الاشتباكات ، وهى إذ تنظر من الشرفة كعادتها لتتأمل المارة “” .

 

تجدين يا أم البنات فى كل مرة أوجاع بناتك الثلاث … فتفتحين زراعيك لاحتضان كل واحدة منهن على حدة ، … ثم حضنا كبيرا منك ، لاحتواء الثلاث بنات مرة واحدة ، وتنعمين وأنت تسمعين نفس الكلمة منهن بتعبيرات وإيماءات متباينة

“” أمي …. أمي…. أ…م….ى “”

هي نفسها التوافقات تلك التي تجعلك في حيرة وتأمل !!

 

أو بم تفسرين .. أن يأتيك ويباغتك ألما شديدا في الفقرات القطنية بظهرك بنفس الصورة والكيفية وفى كل مرة … تضغطين بيسراك عند موضع الألم ، بعد دهان المراهم المتعددة والمسكنة … ألما يزداد كلما دخل عليك الليل … وأنت وحيدة … وقد نامت البنات … تشعرين بالبرودة قليلا ، … وتشعرين بالحرارة كثيرا كثيرا … وأنت وحيدة يا أم البنات … تمررين يدك لتسكتين موضع الألم … وتتحاشين الاقتراب من مواضع أخرى قريبة ، … حتى لا يشتعل بداخلك ما هو أشد من الألم … ذلك الشيء الذي هو أشبه بموج متلاطم يجتاح الشاطئ الآمن المستكين ، فيثير الرمال حوله … ويبعثرها … وربما أغرقها بللا !!

توافقات يا أم البنات تشبه السحب الداكنة وسرعان ما تلبث أن تنفك إلى قطرات من الماء الدافئ ، لها نفس الدفء الذي تحسينه فى سخونة دموع ابنتك الكبرى ، وقطرات من الماء الشارد الذي تلمحينه في شرود ابنتك الوسطى ، وقطرات من الماء الجانح الذي تشعرينه في جنوح ابنتك الصغرى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنادي من قريب

 

 

تنادي من قريب

 

_1_

بيدها المرتعشة تبث حيرتها في رحم متشابك الأعماق لشتلة صغيرة ، … تغرسها مع أحلامها …. تزمجر بكلمات عن المدن والبشر !! .

وباليد الهادئة … تخفي استيائها . تغلف آلامها . تبحث عن خلاصها!!

 

_2_

بيدها المرتعشة . تعلن رفضها . تقذف بآنيتها . تكسرها في حضوره . تصفع الباب في وجهه كلما آذاها . تمزق دفاتره ورفيقاته .. تتمتم عن معان …. تحتضر   .

وباليد الهادئة . تسكت غيظها . تمسح دموعها . تلملم مقتنياته . و …. تبتسم لرفيقاته .!!

_3_

بكلتا يديها  الهادئة والمرتعشة  تهرول تجاه وسادته ، كلما سمعت صراخه . براحتيها تحمله . تتمهل له هو …. تترفق به هو . تتلطف معه هو . تقبل وجنتيه هو …. تناديه من قريب أن يا                              – يا …. صغيري … يا ابني ….يا بني .

 

 

 

 

 

 

 

بين ذراعيها دفء العالم

 

بين ذراعيها دفء العالم

 

 

…..

وبينما هي مع توديع الأسحار الساجية …. وترقب لرحيل قمر الليلة الفائتة ؛ إذ دخلت عليها ابنتها الكبرى ، وهي تحمل بين جنباتها آلاما من أجل زوجها الشاب الذي سقط شهيدا في الميدان لأعوام ثلاث ماضية .

وقفت الأم لأجل ابنتها . قبلتها بين عينيها . تفرد ذراعيها .

 

  • اقتربي … أدنو مني …. أكثر يا بنيتي !!

 

تشعر الابنة بدفء يتسلل إليها … تجفف دمعها المتساقط … تبارك اليد الحانية التي تحاوطها ، ربما بشكل يفوق المرات السابقة  .

دنت بدورها هي الأخرى لتبث إليها دفئا مؤدا ، وطفقت تسحب من هذا الدفء الدفين من معين الأم الذي ما برح أن ينضب !!

::::

 

في تلك اللحظة كانت السماء ترسل غيوما رمادية تصاحبها موجة من الهواء البارد برودة لم يشهدها أهل الأرض منذ مئات السنوات …. أعاصير تهز الجدران …. صقيع يصلح لحفظ الماء والطعام …!!! .

كان ابنها الصغير يحاول أن يخترع دفئا جديدا … أشعل عودا من البخور ، ما كاد أن ينفد حتى احضر عودا ثانيا ، ظل يلامس العودين حتى تمكن من انتقال اللون الأحمر من العود الثاني إلى العود الأول ، من قبل أن يتحول الأول إلى كومة رماد تتساقط رغما عنه . اطمأن لسريان شعلة العود لفترة جديدة .

 

ظل يكرر التجربة من عود إلى عود !!

راح يحاوط الدخان المنبعث من بين يديه ثم يضعه في كف الأم التي تتلقف منه الرائحة ، وتمسح بها وجه ابنها وبناتها وأحفادها … .

ولما أن اصدر الصغير صوتا  ما بين “” الكحة والعطس “” !! هنالك انتفضت الأم . انسلت من بين يدي الابنة والأحفاد . جرت تجاه الصوت المنبعث ..

 

– سلامتك ..سلامتك يا قلب أمك …

أحضرت سريعا كوبا من الليمون الدافئ … أحضرت المعطف الثقيل والكوفية . تربت على كتفه وظهره :

– استدفئ بهما … و …. اشرب الليمون .

*      *      *

نام الصغير … ونامت الأولاد  والأحفاد .!!

وكانت كلما يغط أولادها في النوم ، وكذا الأحفاد يحلو للقلب النائم أن يستيقظ شاهدا الكون المختبئ في جوف الليل لتحيي قلبها بالقرب من القريب المجيب الدعاء !!

وكما يحلو للنجوم وللقمر أن يتلحفوا بنور الشمس المتواري قليلا كان يحلو للأم أن تنهض … تتوضأ …. ترفع الأكف … تبكي وتصيح لأجل الوطن القلق الجريح …. فتفتح هذه المرة ذراعيها باتساع البلد وتدعو للوطن اللحم والولد … ثم تفتحهما ثالثا باتساع الأرض والعالم … وما زالت تنخرط في الدعاء والبكاء .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

همس اللطائف

 

 

 

همس اللطائف

 

 

ولما أن انتهت من تناول قهوة المساء… وكاد الفنجان أن يلاصق الطبق الزجاجي الصغير .انقطع التيار الكهربائي فجأة !!

كانت الأم جالسة ،…وقفت !!

 

وقفت من فورها …سادت الظلمة ردهات البيت الواسع …تحركت خطوات ، فهى تحفظ أركانه: كان الكشاف الكهربائي لم يشحن بعد وكذا الهاتف المحمول .

 

كانت قريبة من باب الشرفة. فتحته ، لتمتزج مع العالم الخارجي المظلم أيضا . جذبت نفسا عميقا لتشعر بالانتعاش ، وبالصفو ، وطراوة النسيم ..

 

ولطالما كانت الظلمة المفاجئة ، وسط الأنوار والاضاءات المعتادة ، …تجعل القلب البشرى يفكر أكثر من العقل ، بل ويرى أكثر من العين .

 

هذا ما أصاب الأم فى تلك الأوقات خاصة مع تكرار انقطاع الكهرباء فى بيتها والبيوت المجاورة …وفى مدينتها والمدن المجاورة …وفى قريتها والقرى المجاورة!!

أوقات اتسمت بالانفلاتات الأمنية …ومطالب فئوية …وندرة مقومات الحياة …!!

 

وبالأخص أنها تتزامن مع ليلتها الأولى من “” الخلوة “” .!!   …والخلوة جهزت لها الأم : ثلاثة أيام ولياليها تخلو فيها بأولادها …وبيتها …أعدت الزاد لتلك الأيام من قبل حتى لا تعرض نفسها وأولادها للخروج اليومى والتطرق لتلك الأحداث والمشاحنات والاضطرابات والشائعات التى تموج بها البلاد !!

أيام ثلاثة أسمتها الأم بالهدنة الناعمة …تصالحت مع النفس …أخمدت عواصف تيارات الفكر المؤرق !!

***

 

تجلس الأم على مقعدها بالشرفة . أصابتها حالة وقتية من الاستبصار والشفافية . انطلقت فى فضاء الروح تعلو ببصرها .. تتأمل النجوم

على صفحة السماء ، فيصل إلى قلبها من كل نجمٍ شعاعٍ خفيفٍ

خاطف يمس شغاف القلب .

 

و لربما همس لها كل شعاع من تلك الأشعة بسرٍ ما … أو خصها بحديث ما …!!

 

همس لها الشعاع الأول بأن ما تحسه من حلو المزاق بفنجان القهوة وتلك الرائحة التى تنبعث من جانبى الفنجان ، إنما يكمن فى سر الخلطة …وتذكرت ما يؤيد ذلك .. أن برطمانا من البن ـ أهدته له أختها ـ لم يكن عاديا فى لونه ورائحته …فقد كان خليطا من البن الغامق اللون والفاتح لونها ، بعد شراء كل لون على حدة !!

أجابت الأم على همس الشعاع الأول بهمس لها …وأخذت العهد مع تلك الشعاع بأنها سوف تكرر تجربة الخلط هذه ، فى أشياء أخرى أشمل وأعم …أشياء متناقضة متنافرة ،  وستتعلم كيف تحيا مع الأضداد …وكيف تستوعب كل من اختلف أو تصارع مع الآخر …وانها ستبحث جاهدة فى الشىء المشترك بينهما لتقرب وجهات النظر … وتصنع أرضا جديدة تتسع للجميع .

***

أما الشعاع الثانى فقد همس فى أذنها قائلا : “” ستظل الظلمة المفاجئة برهافتها وبقسوتها تعيدكِ إلى ما تهربين منه !! ، وأنه لن تدم هدنتك الناعمة كثيرا …فلن يصبح الابتعاد إلا زيادة لك فى الاقتراب “” !!

أجابت الأم على همس الشعاع الثانى بهمس لها …

 

أخذت الأم العهد مع تلك الشعاع (… بأنها ستعيد ترتيب الأشياء بالشكل اللائق وان ثورة بلدتها ـ التى أذهلت العالم ـ ستثمر نتائجها قريبا وتقدمها هدية لانقاذ العالم والناس … ستنادى بكل القوانين والدساتير بتربعها عرش الأرض … وأن تعصب العدالة عينيها حتى تُطبق دون اعتبار للأشخاص …

 

فالأشخاص زائلون والعدالة باقية … ستقدر وتثمن كل مواقف عزة وخير أيا كان صدورها ومن أى فصيل … وستصغر دوما عمل الرذيلة والشر … وأنها سترفض دوما الكيل بمكيالين… وبأنها لن تعيد الطريق الماضى أمام المستقبل حتى لا يحدث غليان جديد …و….و….بأنها تعلمت الدرس من أن إعادة مجرى الماء فى نفس النهر لن يحدث إلا فيضان وبأن الأمراض تأتى نتيجة إعادة مجرى الدم فى نفس الشريان ) .

 

أما الشعاع الثالث فقد همس فى أذنها قائلا : “” أعيدى النظر إلى قلبك … وأمومتك … وعطائك … وحنانك … واسألى ماذا أعطيتى من هؤلاء لبلدك قبل ولدك ؟ “”

 

أجابت الأم على همس الشعاع الثالث بهمس لها .

 

وأخذت العهد مع تلك الشعاع (… بأنها ستفتش فى التاريخ بالبحث عن رائدات مخلصات ذوات قلوب عامرة بالخير… أعطوا الأرض …وأعطوا العالم من اليوم إلى عهد آدم … وبأنها ستخصص صفحة تدوين للأوليات منهن … أول امرأة سجدت لله … أول امرأة داوت الجرحى … أول امرأة قادت مركبة … أول امرأة عملت بالسوق… وبأنها ستضيف خانة جديدة لأول امرأة تنقذ الأمة … أو تكشف عن غمة ) .

***

 

وما أن بدأ الشعاع الرابع يهمس لها حتى عاد التيار الكهربائى … عاد فجأة أيضا… تغامز الضوء حول أعمدة الشوارع … ضوى صوت التلفاز والمذياع في البيوت والمقاهي المجاورة

والحارات … ركد الأطفال في الأزقة يهللون .

 

أنهت الأم الإنصات لهمس اللطائف . أغلقت باب الشرفة . أسرعت تلبى نداء ابنها الصغير .

***

همست لطائف العالم كلها في أذن الأم عندما نادي طفلها الصغير : “” أمي … أمي … أ..م..ى..”” .

 

 

 

 

 

 

الوجه

 

الوجه

 

أجل ألمح بسرعة .. أتأمل . أحدق طويلا ، فأراه وجها ، لا يشابه الوجوه السابقة ، لكنه في كل الأحوال وجهه ، أنف وفم وعينان ، تأتي الصورة جانبيه مرة ، ومرة أمامية ، لكنه وجه ، ضاحكا كان أو حزينا ، مقلوبا كان أو معتدلا .

 

أجل .. أحدق في سقف الحجرة ، … قديم الجير قد تساقط وترك فراغا أسمنتيا مكونا دائرتين بينهما مسافة وأسفلهما تتوسط دائرة أخرى، أحدق في الدائرة فإذا هي فم وعينان ، بسرعة أحدق إلى شيء آخر ، بسرعة أعود للتحديق ، ارى اكتمال الوجه ، خطوط واهية تكون أنفا ، هل يكون وجها لامرأة وتكون تلك التداخلات السوداء شعرا يزينها … يا إلهي !! … هل يمحي ذاك الوجه ويمسح نهائيا من الوجود … ، هل له وجود أصلا ؟!!

 

الصورة أمامي … وأنا بعيدة ، ويمكنني أن أتباعد أكثر ، لكن الوجه يقترب مني ، يتحرك ناحيتي ، يكاد أن ينطق ، لابد أن أفعل شيئا … مادام السقف قديما ، إذا من السهل أن أمحو ما شئت منه أمسكت بالقلم الذي في يدي ، قذفته مرة واحدة وبقوة ، تساقطت جزئيات من الطبقة الجيرية ، … مازلت أحدق لعل الوجه تلاشى … يا إلهي !! رأيت وجها جديدا يتداخل في الوجه القديم .

 

حملت بصري على كفي .. نكسته إلى أرض الحجرة ، فإذا بقع ثلاث تقع عليها عيني ، أحدق طويلا ، أراه وجها .

 

أتأمل الأعين فإذا بها تراني . ترسم خطوطا مجعدة . تضع تكشيرة ما بين العينين . قمت ، أحضرت الماء والفرشاة ، وكل ما يمكن لإزالة البقع ، وأخذت أمحو وأمحو ، في قلب الدوائر أمحو ، … في قلب الخطوط أمحو حدقت فإذا بالبقع الصغيرة ، تمتد من المسح ، وتزداد وتتباين ، وتضع وجوها لا حصر لها ، أسقطت الفرشاة من يدي ، …. تركت الحجرة نهائيا ، …. وتركت المنزل .

 

 

 

 

 

لحظة رجل

 

لحظة رجل

 

عبد العال قصير، لكنه طويل …. طويل البال … كثير ، يحمل في جعبته الكثير ، الكتب …. السفر … الأعمال … البشر .. يحمل الكثير .

 

وكل من حوله يحملونه أكثر مما يحتمل ، يلكمونه بالنظرات ، يجرحونه بالكلمات … بينما هو يسعد، رغم متاعبه يسعد .

 

غاية ما في الأمر ، أنه يختلي بنفسه لحظات ، في حجرته … يطفئ شمعته . يخلع نعليه اللذين أذابهما الزمان … يتمدد . يثني ذراعيه تحت رأسه ، ثم …!!

 

عبد العال قصير ، لكنه أطول … أطول من “حوريه ” فقط أطول منها وتشابهه فيما عدا ذلك ، … الأعين الدائرية شديدة السواد .. تماما مثل أعينه ، النظرات اليقظات الحالمات هي نفسها ، …. الشعر الغزير الذي يصطف حاجبيها يتقارب مع نصف ما في حاجبيه ، الفارق الجانبي من شعر رأسه عندها مثله … أوقات ..يصنعه لها .. يلقي ما في يده يبدأ في صنع ضفائرها ، وتنتهي هي من صنع لوازمه ، يداها تشبه يده لكن العروق التي تفر منه تختبئ تحت جلدها لتكون أيدي أصغر قليلا ، بحيث عندما يضعها أسفل يديه – وكثيرا ما يفعل – لا تكاد ترى ، ولا يصادف أيه شعيرات تسكن أصابعها ، صوتها عميق صوته ، عمق صمته ، عمق النهر من عريه .

 

عبد العال سعيد … ماض في دربه ، لا ينغصه سوى هؤلاء الذين يلكمونه بالنظرات ويرونه فردا … هؤلاء الذين يجرحونه بالكلمات .. أربعون عاما بدون زواج ..شقاء لك .. لكنهم لا يعلمون أنه يسعد دائما يسعد .!!

 

غاية ما في الأمر أنه يختلي بنفسه لحظات في حجرته ..يطفئ شمعته . يخلع نعليه اللذين أذابهما الزمان .. يتمدد ..يثني ذراعيه تحت رأسه ، ثم .

ثم … يعانق فراغا حول جانبه الأيسر .

 

 

 

 

 

 

الشجر النساء …. الشجر البشر

 

الشجر النساء …. الشجر البشر

 

امتصته كل حركة من حركات الشجر الذي أمامه ، بعد أن تركوه وحيدا ، وتعطلت سبل الانتقال … وجد نفسه وسط الأرض الشاسعة ، الأفق لا ينتهي أبدا .. التفت يمينه ، يساره … وراءه ، صنع دائرة مركزها هو ومحيطها اللانهاية .

 

ارتجف ، ارتعشت يداه وقدماه ، أخفى صقيع أنامله في جيبه . أعاد تأمله للشجرة خافضا رأسه إلى حيث بدايتها ، رافعا بصرة إلى حيث نهايتها … أبعدته مخاوفه لحظة عن جاذبية الأرض … جلس تحت الشجرة … أخرج صقيع الأنامل .أراح يده على جذع الشجرة .. تسلل إليه قليل من الدفء . تساقطت بعض الأوراق بين عضدية . احتضنها . هب واقفا . أعاد النظر إلى عدد من الشجر .. تداعبت يداه مع عدد من الأوراق .

 

راح يرمي نظراته الدائرية إلى هامات الشجر الكاسية هذه الأرض ، رأى الهامات رءوسا يتدلى من بينها شعر النساء المتباين … الشعر الغزير الطويل يعلو إحداهن ، منسابا حول الكتفين أو معقوصا خلف الأكتاف بشريط أخضر … والشعر القصير يرسم سلما على شجرة أخرى … والأفرع تتباين ما بين الممتلئ والقامة الهيفاء . ظل يتأمل الانثناءه المرسومة مثل يد أنثى تتوسط خصرها . راح ناحية هذا الجزء من الشجرة ليخلصه مما علق به من الأتربة المتماسكة بقطرات الندى، ويتخلص هو أيضا مما علق به من بعض الملابس .

 

 

 

 

 

طريق البريد

 

طريق البريد

 

 

 

لم تشعر البنت بأية مشاعر جديدة ، حين أشار إليها أخوها بيده، طالبا منها بمفردها ان تضع الخطاب في الصندوق، قاصدا هو مكان الهاتف .

 

فهذا الطريق الضيق المعبأ بالأنوار الباهتة، هي تعرفه، وتعرف المباني والبيوت والمحلات العتيقة ، وتعرف رائحة الهواء الملحية الخانق التي تتنفسها كلما مشت فيه مع أخيها ، خارجين من منزلهما ، قاصدين شراء ما يعينهما على أمور الحياة ، حاملين الخطابات الملآنة بالأشواق والحنين للأهل والوطن .

 

لم تشعر البنت بأية مشاعر جديدة ، حين خطت أولى خطواتها ، وفجأة !! تباطأت خطاها … فقد أصغت إلى صوت جميل يخرج من أفواه المارة كالموسيقى الناعمة ، ذلك الصوت الذي كان دائما ما يذغذغ أذنيها بقشعريرة تدفعها أن تضع أصابعها على أنفها الصغير ، صوت جميل دفعها للمسير … وجعلها ترفع رأسها ، ترسل إلى وجوه المارة … فإذا بملامحهم تتناسق شيئا فشيئا ، وتنسجم !! وإذا بضحكاتهم تصبح أكثر تعبيرا واستقرارا على الشفاه وإذا بصدرها يتسع ويحتويهم جميعا ، شعرت بهم يتبادلون الحس والمشاعر ، ويتلاحمون وينشدون معا سيمفونية الحب والسلام .

 

تنهدت الفتاة . شيء خفي بدأ يتسلل في روحها فكت رباط بلوزتها الذي كان يكبل رقبتها أدارت رأسها ناحية البيوت والمحلات ، فإذا بها مشرقة ، تعلوها الأنوار المتراقصة . فرحت الفتاة ، فرحة أذنت لقلبها الصبي أن ينفتح محلقا في آفاق بعيدة المدى، تنقل بين يمناها ويسراها الخطاب ، مسايرا النغم الجديد الذي دق أبواب روحها … سارت خطوة بعد خطوة … تسير بعمق … تتنفس بعمق ، تشم بعمق رائحة المساء المعطر رائحة جعلتها تشك أنها ضلت الطريق

 

زال شكها تيقنت أنه هو الطريق اليومي المعهود، الضيق المعبأ بالأنوار الباهتة حين عادت وجوه المارة في تخاصم وتباعد ،وولى النغم الجديد من قلبها ، حين رأت المباني والبيوت والمحلات العتيقة … وغزتها رائحة الهواء الملحية الخانقة ، عندما لمحت أخاها قادما من بداية الطريق وقد أنهى مكالمته الهاتفية .

 

توقفت الفتاة عن الحركة توقفت عن الانثناء . اقترب منها أخوها . أخذ الخطاب من يدها . وضعه في الصندوق . جذب يدها الطرية بقوة . اهتزت معها أربطة شعرها ، أسرع بها إلى الناحية الأخرى من الطريق ، متخطيا العربات والمارة .

 

 

 

 

 

سيـــــرة

 

 

سيـــــرة

 

ـ 1 ـ

 

ما كان أجمل هذه الصورة التي كانت تلمع أمام عينيها ، بكل هذا البريق الرقيق … بريقا يجعلها تحلق بخيالها أجواء السماء …!!

 

وما كان أعذب هذه السيرة التي كانت تبلغ أذنيها ، حين كانوا يتحدثون عنه … فتملأ قلبها النقي الأبيض راحة وأمانا زائدين على حالة أمنها ورضاها .!!

 

 

فالحديث عنه في ناديها أو محيط أسرتها ، أو عملها كان شبه يومي ،… لأن لقاءاته ، وبرامجه  المزركشة بجمال أسلوبه والمنمقة بحضوره الأخاذ ، كانت تبث على شاشة التلفاز بكثافة ربما لا تكون هي أحد أطراف الحديث ، ولكنها كانت تتحسس وتبحث عن أخباره في الصحف اليومية ، وتروح تلتقط الأحاديث المروية عنه من بعيد أو قريب كما أنها تلتقط حبات عقد ثمين انفرط منها …

 

وبقدر ما كانت هذه السيرة تروي مخيلتها ، وتزكي حواسها وتجعلها تنهض أملا وعملا ، وتفتح لها دروبا وآفاقا ما كان لغيره من البشر أن يحدث فيها ذلك الأثر .!!

 

بقدر ما كانت تؤجج سريرتها أياما وأعواما ، فهي حتى الآن وبعد مرور الأعوام … فلم يزل شعورها وحيدا من جانبها ، .. وما برح هذا الشعور أن ينمو ويتغذى ليصل على قمته بشكل يفوق عن جبال صبرها وعن طاقات احتمالها ..

فتراها تنهمر دموعا … تتساقط كالأمطار .!!

 

ولكم جاهدت صاحبة القلب النقي في أن توقف تلك الدموع الغزار المنهالة من عينيها الضعيفتين ، … جهاد يتطلب منها ألا تبكي حرصا على سلامة الأعين المريضة ، خاصة وأن البكاء بهذه الحرقة يسبب لها مشكلات صحية هي في غنى عنها ، فلقد أمرها طبيبها المعالج الذي أجرى لها واحدة من أدق العمليات بالقرنية … أمرها بتجنب البكاء نهائيا .!!

:::

 

كانت الأيام بمرور ليلها … وكرّ نهارها … تفعل فعلتها في هذا القلب المسكين ، … وكلما دارت كشفت بأنيابها عن سكك جديدة موصلة إلى طيفه أو صورته … ثم تضخها في شريان أفكارها

 

 

 

وربما كانت تلك السكك الجديدة الموصلة إلى صورته ضئيلة وضيقة ، ولكن سرعان ما تكبر شيئا فشيئا بتنوعها وتعدد نواحيها … ، فتبدو واضحة أمام ناظريها ، وحينا تشعر بالهدوء وبقرب اللقاء على أرض الواقع ، وحينا كانت تشعر بالجذع والهلع ، وتبيت بين أضلعها نفس حائرة أو ثائرة …

وتسمعها في صمت تحاور نفسها وهي ناظرة إلى السماء من نافذة غرفتها الضيقة :

 

“” يا رب … هل سأعيش حتى تقدر لي أن ألقاه ؟!! أم أن الموت        القاسي سيحرمني أن أملي بصري برؤيته وبسماع صوته “”

ثم في أحايين أخرى تخاطب نفسها بواعز من القوة :

“” .. هل لي أن أبدل قلبي .!! أو اقلبه ؟

وأضع مكان قلبي الضعيف … قلبا قويا صلبا كالصخور ،      سأرضى بتقلباته كما أرضى بتعاقب الأيام والفصول ..””

 

 

 

 

ــ 2 ــ

 

ذات صباح حُشد بالنبضات وبالموجات وأمام شاشة التلفاز نفسها … كانت صاحبة القلب النقي تنتظر موعد ظهوره ، لتحيا مع كلماته برشرشات من السعادة ولتشرق شمس أيامها ..

تأملت مرة ومرتين … أعادت تأملها فيما تراه .!!

 

فجأة .!!

بدا المشهد أمامها على غير العادة لم تكن صورته وحده وإنما المئات والآلاف من البشر رجال ونساء أطفال وشيوخ … ظلت تحدق مرات عديدة إلى أن أشعل بداخلها غليان جديد ، وهي إذ تسمع وترى هذا الجمع العتيد العنيد … !!

 

الحاملون والحاملات على أكتافهم آلامهم وأمالهم … والمتجمعون والمتجمعات من مختلف الشوارع والأزقة … ينحدرون كالسيل الذي يتدفق ، ويرسى على شاطئ الميدان …

كانوا جموعا وفرادى يتحركون كأسراب الحمائم العائدون بعد طول التحليق والطيران … يتدافعون في تسابق نحو بقعة واحدة ، ودائرة أرضية مشتركة تضم القريب والبعيد … القاصي والداني … المسافر والمقيم … العامل والفلاح … العالم والأمي … !!

 

ذابت سيرته في مشهدهم الرائع ، كذوبان الملح في الماء ، وهرب طيفه الذي كان يلازمها في حضورهم الأخاذ جدا … وجف مطره في صحوهم !!

 

استبدلت مطالبها بمطالبهم … وهيام روحها العلوية بهتاف أجسادهم الأرضية …

انطفأت نار ثورتها الأحادية ،  بنور السيول البشرية المتزلزلة والمتدفقة كالأنهار الجارية في شرايينها …

 

__3 __

 

ما كان أعذب من سيرتهم جميعهم متجمعين في ميدان قلبها الذي سكنه الآلاف والمئات …. بل والملايين من الوفود البشرية

 

وما كان أجمل هذه الصورة التي تعلوها الأعلام المصرية بكل هذا التآلف والتناغم … والدفء والتلاحم … ، تآلفا جعل حواسها تعزف سيمفونية أبدية للكرامة والحرية .

 

 

 

 

 

 

الصخرتان المرتجفتان

 

الصخرتان المرتجفتان

 

 

 

داهمهما النوم … وهما في طريق العودة من القاهرة في قطار الرابعة مساء وقد بدا القطار ، وكأنه يرتدي حلة جديدة ، بعد أن أدخلت عليه قريبا بعض التحسينات في أيام اتسمت بكثرة الاضطرابات للقطارات والسكك الحديدية  تماما مثلما أصاب السكك الفكرية والوجدانية !!

 

أما منى صابر” لم تكن حلتها التي ترتديها بالجديدة ، ولا أفكارها التي تراودها بالمبهجة .

فهي منذ سنوات لا تراها إلا وهي مخبأة في اللون الأسود حتى حقيبتها وحذائها وحافظة أوراقها وأقلامها … سوداء . !

دنت من الجالسة بجوارها وقالت بعد أن وضعت يدها على فمها المتثآئب …

 

  • لا أريد أن أغط في النوم وأقلقكِ يا أختي
  • ” أم سيد” … اسمي أم سيد .

قالت ذلك وهي ما زالت تنظر إلى الحقول المترامية الخضراء من نافذة القطار ثم راحت تقترح وتقول :

 

  • ما رأيك أن تحكي لي حكاية … ثم أحكي لك أنا ايضا … لعلنا ننتعش ونقطع ملل الطريق .

نظرت منى الطبيبة الطيبة صاحبة الملامح الهادئة وقسمات الوجه الصبوح إلى جارتها بالمقعد وهي ما زالت مثقلة الرأي بنقص النوم والراحة … وقالت :

 

  • ولكن ؟!!
  • الحكاية التي أحكيها ستكون عن ذكريات الطفولة مثلا ؟ أم عن أحداث أيامنا هذه؟

رسمت أم سيد على شفتيها ابتسامة شاحبة ، وزادت من تدثرها في شالها الأخضر ملوحة بيدها المرتجفة والملظلظة وهي تخافت من صوتها بأقصى درجة … وتدنو منها قائلة :

  • أي طفولة ؟ يا رفيقة الطريق ؟ … من الواضح أنك مثلي في الشقاء … أيام الطفولة يتذكرونها السعداء في هذه الحياة

::::

يبدو أن الانطباع الأولي الذي وصل أم سيد عن الطبيبة الهادئة أنها تشبهها فيما يعتمل بداخلها من رؤى وأفكار برغم اختلاف المظهر الخارجي …. فإن لمستين حانيتين قد خرجتا من مدار ذواتيهما في نفس اللحظة ، .. الآن تسقطان على المقبض الخشبي الذي يفصل بين مقاعد القطار … الأمر الذي جعلها تدنو منها أكثر وأكثر ….

بينما الطبيبة أخذت في صمتها مصغية لشيء بداخلها يحاورها ، كأنه نداء حزين … فيه شكايه حزينة يملؤها ألم ودموع .!!

أرادت أن تبرد حرقة الألم قليلا بقطرات الماء ، استخرجت من حقيبتها زجاجة المياه المعدنية .. شربت .. أعطت الماء لجارتها وقالت بصوت هادئ :

  • اشربي يا أختي …

لعل الماء يزيل شيئا من غيمة نظرتك للحياة.

ثم رددت في صمتها :

“” …. ولعل الماء كذلك … يزيل حمرة الخجل التي تطوق وجهك وأنفك ..””

:::

جاءتها خاطرة. أنكرتها . ألحت في إنكارها  ثم … عادت قويت في قلبها … ازدادت قوة وصعودا جعلها تبدأ  في الحكي مباشرة … خاصة في ظل هذا الهدوء الذي انتشر بعربة القطار … بعد أن نزل معظم الركاب في المحطة السابقة .

قالت الدكتور منى :

– “” نعم … تذكرت الآن … رفيقة لنا كانت تدعى منونة الشعنونة … وكانت كثيرا ما يسعدها هذا للقب .. ويحدث فيها نشاطا وحماسا … كان علمي ويقيني أنه نشاط تحسد عليه .

 

وكانت …. تذهب وتجمع الكتب والكراسات وكذا الأقلام المتباينة في أشكالها وأحجامها … تجمع هذا كله بإذن من الرفيقات … ثم تصنع أشكالا عجيبة ومبتكرة .. على الطاولة بحجرة المشرفات … وتبدأ تجري المباريات والألعاب … وتطعمها بالنكات والضحكات .. فتلتف حولها طالبات الطابق كله … بل وطوابق السكن ، .. وربما المشرفات !!

كنا يتركن أعمالهن …ويتبادلن الابتسامات ثم يضحكن إلى حد القهقهة الرنانة لما يرونه من تغيرات وجه ” منونة”.!!

كانت لم تزل في العشرينات من عمرها مثل باقي الطالبات …

العجيب أنها حين كانت تخرج من السكن للجامعة أو لشراء طلبات الأخوات كانت متشددة في زيها فلا يرى منها سوى الوجه والكفين وترتدي العباءات الثقيلة وتحكم غطاء الرأس … وكل من حولها يتبادلن عليها السخرية والتهكم ويعرفن تماما أنها لن تغضب … فقد كانت تتقبل تعليقاتهن بصدر رحب .

 

قالت ذلك ثم أسندت رأسها على الشباك  المجاور ، بعد أن رفعت قبعتها السوداء لتحميها من رذاذ المطر القادم للتو … راحت تحكم وضع القبعة بعد تدحرجها وسقوطها مرات .. تنهدت قائلة : –

 

– ” آه … وما كان أشد إعجابهن وامتنانهن بمنونة هذه … لكنها كانت قوية عنيدة لا تقبل الهزيمة … وبرغم خدمتها لكل الزميلات إلا أنها كانت تتفوق عليهن في نهاية العام … فهي من أوائل الدفعة دائما

ثم لأنها كانت موهوبة تكتب الشعر … تألف المسرحيات الهزلية … تشترك في المسابقات … تساهم في الأسر الطلابية والرحلات ومجلات الحائط … إلا أنها لم تشارك قط في أي تظاهرة أو أعمال تخريبية .

كان كل من يتعامل معها يتعجب من هذه الطاقة المتواصلة والمتراحمة مع الجميع لدرجة أنهم كانوا يطلقون عليها وينادونها …”” الصخرة … الحمول “”.. ومنهم من يهديها في عيد ميلادها باقة ورد ومعها كارت مرسوم عليه “” زهرة الصبار .. “” أو نخلة سامقة “” … إلى أن جاء يوم و ……… “”

 

 

توقف الدكتورة منى عن الكلام عن منونة لثوان معدودة . وضعت كفها على رأسها المتعب . أزاحت القبعة شيئا . واصلت الحديث الذي جاء متقطعا على أنات القطار … وأردفت تقول : –

 

– ” ما زلت أذكر ذلك اليوم … كان يوم جمعة ، وكانت هناك مناسبة لا أذكرها على وجه التحديد وكان يوم العودة من أجازة نصف العام وشوهدت منونة وهي تدخل السكن بوجه يختلف عما كانت عليه ، .. وبملابس سوداء قاتمة … وكانت تخفي عينيها الجميلتين أسفل نظارة سميكة وترفع ياقة البلوزة ، وكأنها تتقوقع في مكعب خشبي .. لا تنطق ، ولا تبدأ بالدردشة – كعادتها – مع من حولها أخذت خطوات حزينة وأغلقت عليها باب غرفتها البحرية . ظلوا يومها يتساءلون عن هذه التغيرات حتى ….. “”

:::::

توقفت منى مرة ثانية عن الحديث أوقفتها حشرجة خفيفة في حلقها ما لبث أن زادت ، فشربت قليل من الماء  ، وهمت أن تكمل حديثها المنتظم بإيقاع يشبه إيقاع السير لهذا القطار الحزين ، والذي ما زال أنينه يدوي في الفضاء نعيا لأرواح الشهداء الأبرياء الذين فقدوا أرواحهم كرامة أن يمر القطار … يمر بدون توقف .!!

 

لكن الحاجة أم سيد  .. وجدت الفرصة سانحة لأن توقفها عن الحديث فلوحت بيدها قائلة :

  • لابد أن أنفاسك متعبة … وأن صوتك كاد أن يبح … فما رأيك تسمعين جزء من حكايتي . ثم تستكملين ما حدث لرفيقتك منونة .

وتابعت الحديث وهي تتأمل الحقول وبقايا ذرات المطر التي تغسل الشجر وقالت :

  • أما أنا :
  • سأحكي لك عن إنسانة ليس لها ذنب في هذه الدنيا سوى إنها إنسانة ذات شعور وحواس وكلنا بذلك تقاس … أليس كذلك ؟!!

 

ردت منى في ضراعة وتوسل تشوقا للدخول في النوم بعد أن أوقفت الذكرى التي ما زالت تملأ مخيلتها ، وتجعلها تهتاج ، ربما إلى حد الصراخ الداخلي … لا تهدأ إلا إذا استسلمت للنوم ..

 

وكان القطار النادم عمل فعل في الحافلة الطيبة و وأصحابها .. قد بدأ هو الآخر في التوقف … ولاحت  من نوافذه  …لافتة مكتوب عليها باللون الأسود ” محلة رواح “.

قرأت منى اللافتة وأعادت توسلها :

 

  • أرجوك … احكي واختصري .. لأن النوم الهادئ الذي أطلبه وأتمناه  منذ أيام بدأ يراودني … احتاج إليه الآن ..!!

 

غطت منى في النوم لدقائق معدودة … أمالت رأسها . سقطت القبعة السوداء . حملتها عنها ” ام سيد ” بعد أن تناثرت على حوافها قطرات المطر الفضية التي تبدو كنقوش مزركشة ببراعة فنان على المحيط الدائري للقبعة بشكل أبهرها وجعلها تطيل النظر قبل أن تستخرج  منديلها الورقي وتمسح هذا البلل المفاجئ .!!

كان المطر قد بدأ في غزارته وقد استحال من رذاذ خفيف إلى سيول تنساب  على زجاج النوافذ … وبدأ القطار يسقط دموعه الغزار … ويرتج مع صوت الرعد القادم من بعيد …!!

وقتئذ افاقت منى من نومها الهادئ تبسط كفيها نحو قطرات المطر وتعيدها إلى وجهها في متعة … بينما راحت الحاجة ” أم سيد” تستنشق نفسا عميقا وتردد :

–  أحب رائحة المطر … وفعله وهو يغسل أوراق الشجر … دعينا نتأمل معا من النافذة .. ونطيل النظر”.

::::

مسح القطار دموعه التي سالت على جانبيه . توقف لمدة دقائق في استقبال ” القطار المقابل ” وكأنه يكفر عن سيئاته الماضية !! .

::

بدأت أسطح البيوت  الصغيرة ، والأرصفة  المتكسرة تلمع أمام أبصارهما ، ظلتا تتأملان الناس بالقرب من المحطة وهم يروحون ويجيئون ، وكان كبار السن يتخفون برؤؤسهم أسفل القبعات والحقائب الجلدية وربما الأكياس الورقية  . لائذين بالضحك وبالفرار …  إلى الاحتماء بالأشجار أو أسقف الأبنية القديمة .

 

واصلت أم سيد حديثها وقد أسرعت في تدثر وجهها كله داخل شالها ، لم تبد سوى عينها اليسرى .

– ” أشد ما يؤلمني في البرد والمطر أنفي فهو يتأثر بأية عوارض جوية … لا أدري منذ متى اصطحبت هذا الشعور بالألم معي .!!

 

كان المطر قد استحال إلى كرات ثلجية صغيرة . بدأت تدق تلك الكرات على رأس القطار ، فيئن ويشكو الألم مرارا محاولا الثبات والهدوء .

 

بينما الكرات تزداد في الدق ، تصدر صوتا مرتجفا ذات نبرات متلاحقة ومنتظمة … ومزعجة أحيانا لبعض النائمين من ركابه .

:::

علقت الدكتورة منى .. ببعض رؤاها :

– يبدو يا حاجة أم سيد أن حكايتك ستكون مؤثرة وآسرة وباكية أيضا بدليل أن السماء تبكي ثلجا .

تنهدت أم سيد صاحبة النظرات الفلسفية وقالت :

  • حقا تعرفين .. أحيانا تحنو الطبيعة أو تقسو . لكنها في كل الأحوال .. تعبر عما بداخل أعماق الإنسان بينما نحن لا نقرأ مشاهد الكون .. ولا نصغي إلى الكلمات التي تسجلها الأشياء والكائنات الأخرى .

ثم أشارت بيدها إلى الطيور البعيدة وقالت  :

  • هل تعلمين يا دكتورة … ما يمكن أن تقوله هؤلاء الحمامات الثلاث اللائي يقفن على غصن هذه الشجرة …إن حوارا ما يدور بينهن .

 

ابتسمت منى ” يا لك من فيلسوفه!

قاطعتها أم سيد :

  • ليس إلى هذا الحد كما تظنين .. لكني أقرأ واجتهد .
  • إذا… عن أي شيء تتحدث الحمامات ؟
  • الأولى تقول لجارتها يا ليت الإنسان يعلم لم خلق ؟
  • ثم ترد الثانية قائلة ” ويا ليته لما علم لم خلق .. عمل بم علم ..
  • يا الله ….
  • وترد الحمامة الثالثة قائلة ” ويا ليته لما عمل بما علم أخلص فيما عمل ..

تنهدت منى …

  • يا لك من بارعة في لغة الطيور .
  • الآن زاد اشتياقي أن أسمع منك فهيا ابدئي بالحديث وكلي أذان صاغية .

::::

كان القطار قد بدأ يهدئ من ارتجافاته ، وتأوهاته وكذا بدأ المطر في الرحيل كأنه يخطو رويدا  ليبدأ من جديد في بقعة ابعد ، وكانت الغيوم في السماء قد انفكت إلى سحابات عادية .. وبدا نور ساعة الأصيل معلنا عن حضوره ..

لعل هذه التغيرات في الطقس جعلت الطمأنينة تدب في قلب السيدتين ذواتا السواعد الفتية .. واللتان تلاقتا منذ دقائق .. لكنهما يشعران أنهما يعرفان بعضيهما من زمن بعيد … فتحت كل منهما للأخرى نوافذ الحكي وربما نوافذ أعماقهما …

راحت أم سيد بدورها تفتح باب الذكرى قائلة وهي تمسح بقايا المطر .. الذي تمازج مع قليل من دموعها …

  • آه ..
  • لست أدري من أين أبدأ الحكاية
  • تقصدين حكاية رفيقتك صاحبة المعاني الإنسانية ؟!!

أومأت برأسها :

  • نعم .. نعم

هي رفيقتي .. رفيقتي جدا إلى حد ال … ولكن ..!!

الأحداث في ذهني متلاحقة متزاحمة وغير مرتبة .

  • أرى أنك متعبة وقد تغير لون وجهك ..
  • اقترح أن تحكي أنت حكاية ” منونة” ما رأيك؟
  • على الرحب والسعة .. ولكن قد نسيت أين وصلت في الحكي .. انستني فلسفة الحمامتين ، ربما لأنني أعشق الفلسفة .. وكنت أتمنى أن اتجه لدراستي الأدبية .. لكن رغبة والدي جعلتني اتجه إلى الدراسة العلمية .
  • كان يود أن يراك طبيبة .
  • دكتورة .!!

هكذا منذ الطفولة … كان يناديني  .. روحي يا دكتور ة نورا … تعالي يا دكتورة نورا

ضحكت ” أم سيد ” بملأ فاها وهدأت من ارتعاشه يدها .. وسألتها :

  • تقولين نورا .. لكن اسمك منى قد ذكرتيه لي من قبل .
  • معذرة .

نورا هي ابنتي وهي أيضا منذ طفولتها كان والدها قبل وفاته رحمه الله يناديها .. يا دكتورة نورا .. والحمد لله تحققت أمنيته.

تبادلت السيدتان الابتسامة وأردفت منى الحديث :

  • “” … حقا تذكرت .. كنت أقول أن الرفاق تعجبن من التغيرات التي طرأت على منونة .. وانعزالها يوما وليلة في غرفتها …!!

 

راحت كل واحدة تبحث عن السبب فمنهن من قالت ” “لعل أحد أقاربها توفاه الله وكان عزيزا عليها … ومنهن من قالت أو ” لعل نتيجة الامتحانات الماضية لم تتفوق فيها ومنهن من قالت ” لعل مرضا خطيرا أصابها .!!

 

وفجأة توقفت منى عن الحديث … شردت للحظة وقبل أن تسقط دموعها الحبيسة في عينها أردفت تقول :

  • تصوري .. أن سبب تغيرها المفاجئ كان شيئا مختلفا تماما عما توقعته الطالبات .

ردت أم سيد في تحسر وألم :

  • أكيد الموضوع فيه ” راجل “.
  • أخوها ..
  • أخوها ..!! كيف ؟!!
  • ضربها ضربا مبرحا لدرجة أن ساعدها الأيسر أصابه كسر ، وظلت تعالجه وقتا طويلا … وحتى الآن من يراه يجد بعض الالتواءات … وبروز العظم بشكل يثير الانتباه …
  • ولكن ما السبب ؟!!
  • مظلومة … ظلمت كثيرا … والله الحكاية كلها لفقت لها ظلما بينا … وحتى يومنا هذا … وبعد مرور السنوات ولم يرفع عنها هذا الظلم .
  • وماذا فعلت ؟
  • قررت شيئين .. أولهما أن تظل ترتدي اللون الأسود مدى الحياة ..
  • والثاني ؟!!
  • القرار الثاني أن تتزوج بأول عريس يتقدم لها
  • وهل فعلت ؟
  • نعم … تزوجت وهي ما زالت في دراستها بالجامعة ، وتركت الطالبات في السكن .. وقضت مع زوجها ثلاثة أعوام من أجمل أيامها … ثم اختاره القدر في حادث مروع ليلقي ربه شهيدا .

بادرت الحاجة أم سيد بالسؤال :

  • أو لم تنجب أطفالا؟
  • نعم ترك لها ابنة صغيرة تشبهه تماما … وقد تفرغت لدراستها وتربيتها إلى أن صارت طبيبة كما أراد لها والدها .

كانت منى تحكي وهي تمسح ما تبقى من الدموع المتساقطة … ثم نظرت إلى أم سيد وقالت :

  • الآن جاء دورك يا أم سيد … احكي لي عن صديقتك الإنسانة الطيبة …!

تنهدت وقالت :

  • آه .. آه .

سأحكي يا أختاه . !!

إن هذه الحياة … فيها من البشر من هم أصحاب إحساس متعففين … وفيها أيضا أصحاب البلادة الفضوليين …

هل تصدقين … رفيقة لها في الغربة … ثم تطعنها في ظهرها وتخونها … بعد أن فتحت لها بيتها وقلبها ..!! تتصورين ذلك ؟!!

  • ما هي الحكاية منذ البداية ؟!
  • يا أختاه … صديقتي هذه .. بدأت حياتها بالإخلاص مع زوجها ، تبذل جهدها لتسعده وترعاه وتصونه …!! كان بيتها جنة من الجمال والمودة والحنان … حتى ظهرت في حياتها تلك السيدة الأفعى … بمشاكلها هي وزوجها .. وبدأ البيت الجنة ينهار شيئا فشيئا .. وتنقض لبناته واحدة تلو الأخرى … ظلت تتردد على البيت بمفردها بعد أن يأس منها زوجها وطلقها … ولكم بذلت صديقتي المخلصة من وقتها ومالها بحثا عن حلول لمشاكل الديون والأزمات التي مرت بها .

وذات يوم جاء الزوج لهذه الإنسانة المخلصة … وتحدث معها بصراحة أنه قرر أن يتزوج من هذه السيدة الأفعى … وخيرًّها بين البقاء معه أو أن يعطيها حريتها هي وأولادها .

  • وماذا كان اختيارها ؟!
  • اختارت أن تبقى في بيتها هي وأولادها ، ولكم تحاملت وهي تخفي مشاعرها المؤلمة … وظلت تتحامل صنوف العذاب والحرمان أياما … وبدأ الزوج يتغير في تعامله معها … يشتم … يضرب حتى جرحت سواعدها .. يتصرف بشكل حاد وغاضب على غير عادته …
  • وأين ذهبت هذه الأفعى ؟!!
  • لقد تركته وتخلت عنه حين علمت من الطبيب بإصابته بمرض خطير ومعدي .. وبعد أن سحبت أرصدته من كل البنوك .!!
  • وماذا عن صديقتك الإنسانة ؟!
  • لا …
  • أنها شيء آخر .!! لقد ظلت ترعاه وتقوم على خدمته وتسهر على راحته سنوات مرضه … وحتى يومنا هذا … تستيقظ مع آذان الفجر … تعطيه الدواء … تنظف بيتها .. تذهب إلى عملها … تعود لزوجها بكل ما يحتاجه من غذاء ودواء وترعى أولادها ..

قاطعتها الطبيبة منى :

  • حقا … إنها إنسانة بمعنى الكلمة .. وكما تحدثتي عنها والآن … ما رأيك أن نتناول الشاي ؟!!

::::

وبينما كانتا السيدتان تتجاذبان أطراف الحديث الشيق الذي  كان ممكنا أن يمتد بلا نهاية .!!

فجأة سمعا صوتا عاليا بأتي من العربة الأمامية للقطار بدأت جموع الجالسين في التنقل والهروب من أماكنهم … راحت النساء تصرخ … والأطفال تبكي …!!

وتناقلت الأخبار عن هؤلاء الصبيان اللصوص الذين يرتدون الملابس السوداء وهم ملثمون ويحملون الأسلحة .!!

كانت عصابة قد اقتحمت القطار … أثارت الرعب … أحدثت فوضى واضطراب وهي تشهر بأسلحتها ..

 

هبت الحاجة أم سيد في ثبات . شمرت عن ساعديها لم يرهبها  ذلك الشرار المنطلق من عيني هذا البلطجي المسلح .!!

وقفت الطبيبة منى بكل جسارة وإقدام . أمسكت بالسلاح لترمي به بعيدا …

تعجب الجميع من شجاعة هاتين السيدتين … ومن صمودهما بشكل يفوق صمود الرجال .!!

اخترقت السيدتان الزحام … تكشفت الأيادي  والسواعد في غمار المعركة .!!

 

 

 

لاح للطبيبة ساعد رفيقتها.. تأملت مكان الجرح الغائر بيدها …

أطالت النظر في عيني الحاجة أم سيد ..

أدركت من تكون ؟!!

 

لاح للحاجة أم سيد ساعد رفيقتها … تأملت مكان الالتواءات بالساعد الأيسر وبروز العظم …

أطالت النظر في عيني الطبيبة …

أدركت من تكون .!!  طالت أطالت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منديل بعطر الشرق

 

منديل بعطر الشرق

 

 

 

…؛ أما هي فقد توغلت كثيرا . اندست بين الأحجار . قاومت أسياخا مدببة وزجاجا مهشما . لم تخش المخاطر على المدينة صاحبة الحضارات القديمة . عزمت أن تعثر عليه !!

 

تذكرت حين كانت تتسلل وحدها إلى القاعة المكتظة بالمقاعد الخالية . تتأمل خضرته من بعيد . تخاله منديل كوكب الشرق . تعتلي الخشبة المعتقة . تتوسط المسرح . تدندن مثلها . تنتعش حين تتصاعد إليها حرارة تصفيق الجمهور .

 

غدت البنت خفيفة عندما فاح عطره الشرقي بين الأنقاض . ضغطت على حافته المزركشة بنقوش مصرية . تعانق حرير يدها بحرير المنديل الأخضر .

نفضت التراب عن ردائها . انطلقت تغني . شاركتها بالغناء الطيور المحلقة بالسماء .

 

الفهرس

 

  • ملكية غير مسجلة
  • أمومة
  • أفراح مبتورة … لم تزل
  • توافقات أم البنات …
  • تنادي من قريب .
  • بين ذراعيها …. دفء العالم .
  • همس اللطائف …
  • الوجه ….
  • لحظة رجل …
  • الشجر النساء … الشجر البشر …
  • طريق البريد ..
  • سيرة ….
  • الصخرتان المرتجفتان …
  • منديل بعطر الشرق ….

 

 

السيرة الذاتية

المؤلفة

حنان فتحي في سطور

كاتبة وعضو اتحاد كتاب مصر

وعضو بأتيلييه المنصورة

ونادي أدب المنصورة

ورابطة أدباء الحرية

وعضو برابطة الأدب الإسلامي

وعضو دائم بصالون المبدعات بقصر ثقافة المنصورة

صدر لها :

  • الشوق في المنازل ـ قصص 1990
  • تحولات في كيميا البشر ـ قصص 2010
  • غنيوات من قلب البنات ـ شعر 1993
  • عيون شباكي ـ شعر 2010
  • الدخول علي الله ـ 2003
  • روضة النعيم في معرفة الرحمن الرحيم ـ 2004

صدقة …. وصدق مع الله 2004

 

  • الحنين إلي قناديل المساجد ـ 2005
  • ليال شرقية ـ رواية من أدب المستقبل
  • نشرت أعمالها في مختلف المجلات والجرائد العربية.
  • كتبت بشكل دوري عمود إيقاعات وتجليات .
  • الأعمال الدرامية :

برنامج القارئ الصغير ، عالم الأسرة ، الألعاب الشعبية العمانية ، الحروف الهجائية ، فوازير رمضان ، سيناريو وحوار دنيا الأطفال بتليفزيون سلطنة عمان .

  • رصيد علمي :
  • بكالوريوس هندسة مدنية 80/81
  • ليسانس آداب لغة عربية 86/87
  • دبلومه في اللغة العربية 89/90
  • دورات في علوم الشريعة والكمبيوتر
  • شاركت في بعض الأمسيات والندوات والمؤتمرات الأدبية المحلية والعربية .
  • أوراق أدبية ومشاركات :
  • مشاركة في أمسية أكتوبر في عيون مصر بأتيلييه المنصورة .
  • مشاركة في مؤتمر اليوم الواحد لاتحاد كتاب مصر فرع الدقهلية ( الكاتب وتحديات اللحظة الراهنة)
  • إشراف فني :
  • إصدار جريدة الصحوة ( عدد تجريبي ) .
  • عامود ثابت بجريدة الراية بالدقهلية بعنوان “”لإيلاف الأنسجة””
  • إعداد وإشراف أدبي وإخراج فني نشرة جمعية بنت الأرض بالمنصورة .
  • تقديم لكتاب “” دعاء القرآن سلاحي “” بعنوان ” مصر في القرآن الكريم “
  • نشر لها قصص قصيرة بعد ثورة يناير2011 .
  • بجريدة أخبار الأدب .
  • مجلة أوراق أدبية التي تصدر عن إقليم وسط الدلتا العدد السابع فبراير 2013 .
  • مجلة الكاتب الصادرة عن اتحاد كتاب مصر .
  • في نشرة غير دورية اتحاد كتاب فرع الدقهلية ودمياط بقصة الفنان وكيميا اللون الكاكي يوليو 2012 .
  • الدراسات التي تمت عن أعمال الكاتبة :
  • دراسة لرواية ليال شرقية باتحاد كتاب الدقهلية .
  • دراسة لمجموعة تحولات في كيميا البشر .
  • دراسة عن مجموعة يناير قلبي .
  • نقد عن مجموعة يناير قلبي بجريدة الرأي مارس 2012 صفحة إبداع .
  • خبر لجريدة الأهرام عن “” أديبات المنصورة يشاركن في افتتاح الصالون الثقافي “” العدد 18/12/2012.
  • تحت الطبع :
  • كتاب أبو بكر الصديق “” القول المثمر لصاحب الرضوان الأكبر “”.
  • أباريق الإحساس من ريق بن عباس .
  • مجموعة قصصية مروق الأشياء الصغيرة .
  • التكريم :
  • كرمت باعتبارها ضمن لجنة التحكيم لجائزة بلقاس الشعرية لمدة عامين على التوالي .
  • كرمت في جائزة صلاح هلال للقصة القصيرة عن قصتها “” مرآة عزة “”.
  • التواصل مع الكاتبة :

الموقع الالكتروني على جوجل

( الأديبة حنان فتحي )

01121406999

01006154145

العنوان : بلقاس – دقهلية – جمهورية مصر العربية

شارع الشونة – أمام مخبز سالي

المهندسة / حنان فتحي السيد محمد

(أم نديم )

 

للمزيد عن :

موسوعة (مبدعى مصر)

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق