الوطن بقلم : شريف مصطفي

82

الوطن .. ذاك المكان الذي تباعدت عنه، فسافر في شراييني. ينسج من دمي زخات حنين تطرق بوابات القلب، لينفض غبار السكون عن ضلوعي، ويعيد ترسيم حدود الصمت مع الكلام.
حين أرى الوطن وأنا ساكن مدن الاغتراب يجلو عيني بريق الحنين، وكأن الروح تنسلخ من الجسد لتسافر متخطية تلك الحدود، لا تخشى العفاريت التي تسكن تلك الصحاري الممتدة بيني وبين الوطن، ولا يوقفها عطش النار المختبئة في غيوم البحر، فتحلق إلى الأماكن التي سكنتها الذكريات. وتعيد رسم تاريخي. أفتش تحت ركام الذكريات عن لمعان الماس الذي كانت تعمى عنه العين. ففي تلك اللحظة يكون النظر نافذا لما وراء حدود العين المغشاة بغبار التعود. تتسلل الرؤيا بين خلاياي المنهكة وتعيد تكوين الألم. تنضح في ملامحي تجاعيد الفراق، ولكن يبقى الحنين بريقا يلمع تحت الابتسامة التي تجتر التصبر والأمل.
أغمض عيني عن ذاك النور الزائف .. لتشدني إلى عمقي تلك الشموس التي شكلتها وجوه باعدت بيني وبينها المسافات تاهت ملامح بعضها في زحام الزمن وبقي القليل صامدا حية ملامحه كنقش فرعوني. وبقيت الذكريات التي تولد من لحظة انبعاث نور الانتظار. أرى الوطن المكان والبشر كما لم أراه من قبل، أشعر بغبار شوارعه كأنه رحيق بخور يملأ ذكرياتي بحلم العودة لزحامها، وضجيج المتدافعين، وصراخ البائعين، وعصير القصب، وطبق الفول بالزيت الحار، وبسمات تعلو الوجوه الصابرة، وعيون مغموسة في البساطة والسكون، ودقدقات عجلات القطار تطوي المسافات الخضراء الممتدة على الجانبين، صوت همس البحر في لحظات العناق الابدية بينه وبين الرمال التي تحمل في عمقها اسرار العابرين.. رائحة النيل المبلل بعيون العشاق ولهو الصغار..
حتى وان كانت حياتك بعيدا عن الوطن أفضل كثيرا عما كانت عليه هناك، إلا أن هناك لوغاريتم يعجز العقل عن ادراكه وفك طلسمه، ولكن لا تعجز الروح عن الشعور بخباياه، هو الحنين للوطن الذي حين تتباعد عنه يهاجر فيك ويسكن عينيك و يمطرك الحنين و تنبت في أرضك أحلام العودة مهما طالت الأزمنة.

قد يهمك أيضا:

أبتي بقلم نجية هراسي المغرب

الأكثر قراءة الآن

Comments are closed.