موقع إخبارى شامل

الماضى …. وتنبوءات الغد قراءة فى رواية القحط لأيمن طاهر د/ شعبان عبد الحكيم محمد

 

  الماضى …. وتنبوءات الغد

قراءة فى رواية القحط لأيمن طاهر

                                             د/ شعبان عبد الحكيم محمد

-1-

تسرد رواية القحط لأيمن طاهر لفترة المجاعة التى تعرضت لها مصر أبّان خلافة الخليفة المستنصر (1029 م : 1094 م) حيث جفاف النيل الذى استمر لمدة سبع سنوات متواصلة من (1065 م: 1071 م) عُرفت هذه المجاعة الشده المستنصريه ، أو الشدة العظمى  ، وقد أفاض المؤرخون فى وصف ما أصاب الناس من جرَّاء هذه المجاعة من تعذر وجود الأقوات وغلاء الأسعار، حتى أنه كان يُبَاع الرغيف بخمسة عشر دينارًا ، واضطر الناس إلى أكل الميتة من الكلاب والقطط ، والبحث عنها لشرائها ، بل أن بعض المؤرخين ذكروا أكل الناس جثث من مات منهم ، وصاحب هذه المجاعة انتشار الأوبئة والأمراض التي فتكت بالناس حتى قيل : إنه كان يموت بمصر كل يوم عشرة آلاف نفس ، ولم يعد يرى في الأسواق أحد ، ولم تجد الأرض من يزرعها ، وباع الخليفة المستنصر ممتلكاته، ونزحت أمه وبناته إلى بغداد. وساء به الحال حتى أن بعضهم ممن كانوا في بعض من اليسر كان يتصدّق عليه بما يأكل في يومه….هذا ما تصوره لنا الرواية الطويلة فى صفحاتها الممتدة . 

تبدأ الرواية وانتشار الجفاف نتيجة لجفاف ماء النيل ” فلم تعد قوافل تجار الغلال تأتي سواء من الشمال أو الصعيد ، فركد حال المطاحن ،وأغلق الكثير من المخابز وحلت الحاجة والعوز كل بيت ، واعتمد الناس على أنفسهم في تدبير قوتهم الضروري ، الذي يسد أرماقهم اليومية ”

ولم يلجأ الكاتب لسرد أحداث التاريخ فى أسلوب أدبى مختلقًا قصة عاطفية تروج لعمله كما كان فعل جرجى زيدان فى رواياته (غادة كربلاء  الحجاج بن يوسف ،  ابو مسلم الخرسانى ، العباسة ، عبد الرحمن النناصر ، المملوك الشارد ، شجرة الدر …إلخ ) ولكنه صنع نصًا فنيًا متخيلًا ، يعكس لنا من خلاله آثار المجاعة التى عمت بمصر تلك الفترة ، ليصور لنا فظاعة الجوع ، فمع المجاعة يكون الموت ، ومن قبله الموات الروحى  ، والدمار ، وافتقاد الأمان ، والضياع … لا نجد فى الرواية إقامة فرح واحد لعروسين ، ولا لحظات بهيجة تجمع أبناء درب الريحان ، الذى تدور على جنباته كثير من أحداث الرواية ، وللكاتب مقصديته فى ذلك ، إنه يصور لنا دمار النفوس حين تفتقد القوت والغذاء ، يضيع كل شىء ، وتصل الهمجية إلى أن المرء يأكل لحم أخيه الإنسان ، وهذا ما حدث فى الرواية ، ومن قبل فى عالم الواقع كما ذكر لنا التاريخ ، وأعتقد أن مقصدية الكاتب ذات رؤية تبؤية مستقبلية ، وكأنَّ الرواية تدقُّ ناقوس الخطر للتنبيه وللتحذير لأى حدث يؤدى إلى قطع مياه النيل ، أو إلى انخفاض المنسوب وسط حاجتنا الملحة لها الآن ، تحت ضغط ازدياد عدد السكان ، وكثرة مشاريع استصلاح الأراضى ، سيؤدى هذا إلى مجاعة  نتيجة الجفاف والقحط والموات ، الذى سيسبقه موات روحى قبل أن يحدث الموات المادى ، حيث المجاعة والتناحر والتكالب من أجل الحصول على الأكل ، وهذا بدوره يجعل الناس تتخلى عن كل المبادىء الإنسانية والأخلاقية ، لم يلجأ الكاتب لسرد الأحداث التاريخية بالصورة التى تلتزم بالدقة الحكائية لأحداث التاريخ ، فتعرض لحياة المجتمع إبّان المجاعة فى عهد المستنصر من خلال ما رواه المؤرخون ، ولكن بنى الكاتب عمله الفنى من صنع أحداث متخيلة ، لشخصيات اختلقها ، ونسج لها أحداثًا لا تتعارض مع  وقائع التاريخ والواقع  فى هذه الفترة ، حيث المجاعة والنهب والقتل والفتك وأكل جثث الحيوانات الجارحة ولحم البشر ، فاختار لمكان ( درب الريحان ) ليكون بؤرة الأحداث ، التى تتجمع عنها خيوط أحداث الرواية  ، مجموعة من الأسر فى درب الريحان ، تعيش هذه الأسر فى حب وسلام : الشيخ رادع الكتامى وابنته سكينة التى تقيم معه لغياب زوجها جواد الذى يعمل فى جيش الخليفة ، ميمون وزوجته عالية وابنهما الحسن ، الشيخ عامر وزوجته زينب  وابنهما حميد ، رزق الحلاق و زوجته صابحة وابنهما زين ،و نصيف الإسكافى وزوجته دميانة  ، و عبد البر الغزّال ، والمقدّس يونس و زوجته رفقة وابنتهما سمحة ، وابنهما الغائب بشير ….وريَّان السقاء وابنه غيث اللذان ينقلان المياه بالقرب على عربة إلى المنازل ، ومنها منازل الساكنين فى درب الريحانة ، وزيدان أخو ميمون الذى لا يقيم معهم ولكنه لا يكاد  يفارق أخاه ، خاصة لقرب محل جزارته من محل الورق الذى يتاجر فيه ميمون  ، وابنه فاتك الشاب المنحرف ، وفى انتظار ابنه مصعب الغائب … ونيسة أخت رفقة التى تعيش فى ريف الفسطاط  وتزورها كثيرًا ، وثريا أخت عالية وابنها الفضيل وكانت على علاقة طيبة ومتواصلة مع أختها عالية  ، هذه العائلات  تربطهم علاقة حب واحترام ، تجمعهم الأماسى ، حيث الحياة البسيطة النقية الصافية ، يلتقون فى المساء أمام بيت ميمون ، فنرى الكرم الجميل من عالية وزوجها ميمون مع أهل الدرب ” ذكريات الأماسي البائدة وترقـّب الجميع بنفوس حالمة خروج ميمون بطبق البلح الكبير ، وطاولة الفطير وأكواب شراب النعناع التي تنعش سهرتهم ، وأطباق الزبيب والبليلة المحلاة بالعسل ، التي كان يهاديهم بها المقدس يونس .. يخرج ميمون ويضع وسطهم قلة الماء ويجلس أمام الشيخ الكتامي …”  أما الآن فقد انتهى كل شىء جميل ، لقد عمَّ الجفاف وجاء معه الجوع والانحلال الأخلاقى ، فلم نجد مثل هذه الجلسات الجميلة ، الكل يخاف من الوباء المنتشر ، الكل همه ملء  بطنه بالخبزة والجبن ، أما بقية الناس فى الأحياء الأخرى فأخذوا يأكلون لحم القطط والكلاب ، والخنوص ، بل ولحم البشر بعد ذلك ، وأصبح سفر أحدهم أو انتقاله من مكان إلى مكان داخل أحد أحياء المدينة مغامرة غير مأمونة الجانب ، فقد يتربص به بعض الجوعى المجرمين ، يقتلونه ويأكلون لحمه ، ومن هؤلاء الذين قاموا بهذه المغامرات المروعة فاتك ابن زيدان ، بدأ هذا مع ثلاثة من رفاقه المنحرفين هم صبيح و شرار و قانع   ، واختطفوا بغلة الوزيرأبى المكارم المشرف بن أسعد ، واكتشف الحارس بعد إفاقته هؤلاء الثلاثة فى بيت صبيح ، بعدما ذبحوا البغلة ، وأخذوا يشوون لحمها ، ولكنه لم يتذكر الرابع ( فاتك ) وأمر الخليفة بقطع رقابهم ( الثلاثة ) وعلقت جثثهم لتكون عبرة لغيرهم ، ففوجئوا بعد ذلك بسلب الناس للحومهم وتركوا هياكلهم العظمية ، وفرَّ فاتك بجلده ، ولكنه بعد ذلك التقى بغراب وابن خالته كاشر ، وأخذوا يمارسون نشاطهم المنحرف ، بصيد الرجال والأطفال ، وسلخهم ،وتقطيع لحومهم وشوائها ، حتى كانت المأساة ، عندما قتل صاحباه غراب وكاشر أباه ( زيدان ) ، حين طغى على الأب الحنان ، فأخذ يبحث عن ابنه فاتك ، الذى تغيب كثيرًا ، وعندما وصل إلى الطبالة مقره هناك مع زميليه ، لم يكن موجودا واصطاداه ( غراب وكاشر ) بشبكتهما ، وسلخاه ، وأكلا لحمه ، وترك جزءًا لفاتك ، وقدموا له لحم أبيه يأكل منه ، ولكنه لم يستسغه ، وأفرغ ما فى بطنه ، وفوجىء برأس أبيه صاحب هذا اللحم فى الكيس الذى سيرمونه فى مكان منقطع بعد ذلك ، فثار غاضبا مجنونا ، وقتل رفيقيه ، وظلَّ يهذى متقدمًا فى طين النهر ، حتى كانت نهايته الموت فيه .

-2-

تبدأ الرواية بسرد هذه الوقائع ،حيث بداية المجاعة ، والبحث عن الطعام ، الذى صار شحيحًا ، صاحبه الموت وانتشار الأوبئة ، فبدأ الموت فى هجومه عليهم فى درب الريحان بموت سمحة بنت يونس ، شكت من ألم فى بطنها ، وإن ظنوا أن سبب مرضها فسخ خطوبتها من شاب كان يريد أن يتزوجها ، ويرحل بها خارج القاهرة ، ثم توالى الموت فيهم ، فقضى على رفقة زوجة يونس بالمرض ، ثم يونس ، ثم الشيخ عامر الذى لم يجدوا ماء لتغسيله ، فيمموه ….واستمر الموت يصول فى هذا المكان فخرج الحسن بن ميمون ولم يعد ، ومات يونس ودفن فى الكنيسة …إلخ ، ومات زيدان أخو ميمون وابنه فاتك ومنقذ (أخو ميمون وزيدان ) ….ناهيك عن الموت فى الشوارع حيث الجثث التى لم تجد من يدفنها ، وفى الرواية يشاهد ميمون جثثا يجمعونها لحرقها لانتشار الرائحة النتة منها …

نجح الكاتب فى رسم لوحة فنية كبيرة للمكان النتن لقلة المياه ، فى البيوت والشوارع ، البيوت التى تصدر منها رائحة مثل رائحة الزرنيخ ، وخاصة من الكنيف ( مكان قضاء الحاجة فى هذا العصر ) والشوارع ، والنهر الذى يرمى فيه بالبهائم المتعفنة والقاذورات ، حتى رائحة الناس من قلة الاستحمام صارت مؤذية ، تعطلت الحياة فى كل شىء ، لم يعد هناك زرع لانقطاع الشريان الذى تعتمد عليه الزراعة ، ولا تجارة ، ولا أى أعمال أخرى ، فصارت الحياة كسادَا مؤرقًا ، انتشرت السرقات ، والقتل ، والنهب ، وساد الخوف على الذى يغادر بيته مخافة من اختطافه وذبحه ، وأكل لحمه …. فتروى الرواية  لرجل يشترى قطًا بثلاثة دنانير ….ويتوجه نحو زيدان قائلًا : اذبحه يا عم زيدان واسلخه بسرعة وسأعطيك الورك ….وفاتك ابن زيدان يؤكل أباه لحم الكلاب ، فيلعنه أبوه …. ومجموعة من اللصوص ( صبيح وشرار وقانع وفاتك ) يسرقون بغلة الوزير ، ويذبحونها ، ويشوون لحمها ….إلخ …. والناس تأكل من لحوم الحيوانات التى ماتت وتعفنت ، ناهيك عن أكل لحوم البشر .

هكذا تسرد الرواية للواقع فترة المجاعة وقد أجاد الكاتب فى خلق نص سردى ، لمجموعة من الأفراد فى درب الريحان بالقاهرة ، سواء فى علاقتهم فيما بينهم ، أو فى علاقاتهم بأقربائهم خارج هذا المكان ، يعود بعضهم بعضًا ، وإن قلَّت الزيارات فى الفترة الأخيرة ، و ترسيخًا للمصداقية الفنية ورد فى النص كثير من الإشارات التاريخية ، مما يضفى على النص مصداقية وقوع هذه الأحداث فى تلك الفترة ، واتصفت الأحداث ببطئها ….وهذا له ما يبرره فنيا ، فالكساد والملل وتوقف حركة الحياة ، ووصول الحياة من التوتر والجوع بهذه الصورة يجعل الحياة رتيبة ملولة ساكنة ، وهذا ما حدث بالفعل ، فلم نجد حركة للتجارة التى بها الانتقال والسفر ، وتوقف العمل فى كل أنحاء الحياة ، وأصبحت الأموال التى هى أداة للتعامل بين الناس لا قيمة لها ….فكيس الدقيق – إن وجد – لا تصل قيمته وزنه ذهبا ، والأموال لا قيمة لها …. فبنت الشهبندر .. سمعت أنها قايضت قصعة مملوءة بالذهب والحرير بأخرى من الخبز ثريا ما تزال تبادل الذهب بالطعام … عبد البر الغزَّال يبيع بيته بكيس دقيق ل (لاوي بن بنيامين ) … إلخ .

– مجموعة من المجرمين يخطفون زينة خادمة بنت شهبندر التجار، ذهبت لزيارة أختها في زقاق القناديل فاختطفها اثنان من السود وبسرعة قام أحدهم  بقطع عجزها وقعدوا مع غيرهم من الجياع يأكلون اللحم ..يقاطعها ميمون في هلع ..

– قطعوا من جسم السيدة وأكلوا لحمها وهي حية ؟ ! ؟ والأغرب من هذا !!!

– ما الأغرب الذي حدث بعدها ؟

– عادت زينة وأكلت ما تبقى من لحمها ؟

– مات شداد القمّاش وظلت زوجته طول الليل تبكي والرجل ممدد أمامها لا تجد من يدفنه حتى جاءها أخوها وقمت معه بدفن شداد في حوش البيت ..

– يمرُّ ميمون وزيدان على بيت عبد الودود القصاب …. ربما يكون محتاجًا للمساعدة ، فيجدونه ميتًا ومتعفنا ، فلم يغسله أحد ولم يدفنه أحد  ، ويصدم الباب بقدمه ، فينفتح ويتقهقران لتدافـُع الجرذان من حول الجثة المنتفخة ، والنمل يمرح عليها ورائحة القيح تفجر رئتيهما فصرخ زيدان وهو يعيد إغلاق الباب ..يا لطيف يا رب .. عبد الودود أكله الدود ..

– الوباء يحصد كل يوم العشرات والعشرات و لا مغيث … والناس يتساقطون في الشوارع ولا أحد يدفنهم حتى أمر الخليفة الجند بحفر مدافن جماعية …

هذا هو حال القاهرة والفسطاط وبقية الأمصار ، والحياة فى درب الريحان تكاد تتوقف اللهم إلا البحث عن بعض الطعام الذى يسدُّ الرمق ، وانتظار ريَّان ومعه القرب للشرب ، وقبل أن يجف النيل كان يأتى بالقرب على عربته ، مبتهجًا ، أما بعد ذلك فأخذ يتأخر لعدم وجود الماء ، ويشوب الماء الكدر ، ووصل به الأمر فى النهاية أن يأتى كل مدة ويحمل قربه على كتفه بعدما سرق لصوص حماره ….ثم انقطع عن المجىء ، ويسر الله للدرب حفر بئر فى بيت فرس الشيخ رادع … وإذا جاز لنا أن نوجز أحداث الرواية لوجدناها فى علاقة الساكنين معًا فى درب الريحان ، ومع بعض أهاليهم الذين يسكنون خارج هذا المكان ، ووجدنا العلاقة بين هؤلاء علاقة يسودها التوافق والمحبة ، سواء بين الرجال ،أو النساء ، ولم يشذ من أهل المكان سوى فاتك ، الذى أظهر انحرافه منذ الصغر ، حين رفض حفظ الآيات القرآنية التى كان يكلفه بها الشيخ فى القرآن .

تسير الحياة فى إيقاعها البطىء الممل ، مصورة هذا الواقع الملول ، ميمون يذهب كل يوم لفتح محله ( يعمل وراقًا ) ولكنه لم يبع شيئا منذ عدة شهور ، مما اضطره لغلق المحل ، ونقل ورقه إلى بيته ، الشيخ رادع رغم افتقاده البصر يشارك الدرب فى كل نشاطاته  ، يونس يشتد به المرض ، عبد البر الغزَّال لا يجد من يطلب منه ملبسًا ، وكذلك نصيف الإسكافى ، كل الأحداث تدور حول دفن ميت وتشييعه بهذه الثلة القليلة ….وذهاب زيدان للبحث عن ابنه فاتك فقتله صاحبا ابنه فاتك …. وبحث ميمون عن أخيه منقذ فذهب إلى أطفيح ، ورجوعه بعد خمسة أيام سفر  لموت ( منقذ وزوجته عائشة    ) وخروج الحسن ابن ميمون ولم يرجع ، وتنبىء  الشيخ رادع بموته وأنه فى الجنة ، فقد يكون قد اختطفه بعض المجرمين لأكل لحمه ….ورجع بشير ابن يونس بعد موت أخته وأمه وأبيه ، وتركه المكان مرة أخرى ، ورجوع مصعب فى النهاية بعد موت أبيه زيدان وأخيه فاتك ، وشراء لاوي بن بنيامين لبيت الغزَّال والضغط عليه لتركه وأخذ المال الذى دفعه ….

تبنى الأحداث بناء طرديا ، حيث يسرد لبداية المجاعة إثر انخفاض ماء النيل حتى جفافه ، بدأت الرواية بامرأة تبيع عقدا ثمنه ألف ديناروطافت به في شوارع القاهرة والفسطاط فلم تجد من يشتريه وأقنعت أحد التجار بشرائه مقابل كيس دقيق… وانتهت  وجموع غفيرة تجتمع عند قصر الخليفة المستنصر بالله .. تقدمت سيدة وارتقت مصطبة عالية ، وحولها الجماهير الصائحة .. فعرفها ميمون على الفور .. إنها أخت زوجته وابنة عمه ثريا ، التي نظرت إليهم ثم أخرجت قرصة صغيرة من بين طيات ملابسها ، ولوّحت بها وهي تصيح ..

– أيها الناس .. فلتعلموا أن هذه القرصة كلفتني ألف دينار فادعوا معي لمولانا السلطان  ….

فالأزمة تفاقمت ولم تنته ، فى البدء كان كيس الدقيق بألف دينار …وفى النهاية أصبحت القرصة بألف دينار ، وهذا يوحى بأن الكاتب لا يرى فرجًا لتأزم الواقع والغلاء والكساد الذى تمرُّ به البلاد هذه الفترة ، ونختلف مع الكاتب هنا فى رفع هذه المظلمة إلى الوالى ، فالوالى ليس طرفًا فيها ، فليست شكوى ضد وزيره ، أو أحد حاشيته ، ولكنها محنة طبيعية خارجة عن إرادته ، طالت الخليفة كما طالت الأهالى ، وفى الرواية تلميحات بهذا ، حيث كان يبيع الخليفة من مقتنيات قصره ما يعيش به ، وكان جواد يبيع لأهل قصر من حليهم ، ليشتروا به الدقيق والخبز  ، وجاء على لسان الشيخ دارع لميمون :

– الخليفة المستنصر بالله حفيد المعز لدين الله وعبد الله بن الحسن المهدي يعيش أياما يطلب فيها من قادته وجنده أن يبيعوا أمتعة القصر ليدبر بثمنها حاله،  وجواد زوج ابنتي يقول : إن الخليفة لا يملك إلا فرسا واحدا والحرس حوله يتساقطون من شدة ما لحقهم من الجوع ..

-3-

ذكرنا من قبل أن بناء الأحداث سار فى صورة هرمية ، تعتمد على توالى الأحداث فى شكل هرمى ، اللهم إلا بعض الاسترجاعات القليلة عن طريق الذكر ، كتذكر ميمون لفترة شبابه ، عندما كان جنديا فى جيش الخليفة ، وحارب فى صقلية ، يقول :

– كنت مقاتلا في الفيلق الذي أرسله مولانا الخليفة علي الظاهر لإعزاز دين الله ليقضي على التمرد بجزيرة صقلية وأصبت بسهم في كتفي ونقلت إلى الإسكندرية ومنها عدت إلى القاهرة. ومنها تذكره لآخر كتاب نسخه :

– آخر كتاب نسخته وتقاضيت أجره كان من سبعة أشهر …جاءني أحد تلاميذ داعي الدعاة وطلب مني أن أنسخ له كتاب الرسالة الوزيرية للوزير ابن كلس رحمه الله وأعطاني ربع الأجر ولم يأت من يومها..

ومنها تذكر ميمون لأبيه :

  • وكبرنا ومات أبونا صادق القراطيسي بعد زواج أخي زيدان بأيام ، ومع أنه أكبر مني إلا أنه لم يرث تجارة أبينا ، فعمل قصابا في دكان جزارة ، لصاحب أبي ثم فتح لنفسه دكانا .. أما أخونا الأكبر منقذ فتزوج من بنت تاجر الغلة ، وعاش في بلده أطفيح ، وورثت أنا مهنتك يا صادق يا وراق ، وربنا يسترها علينا وعلى أولادنا .

ومنها تذكر ميمون لأحداث سمعها وقد وقعت فى عصر الحاكم بأمره ، حين كان يصحطب الحاكم بأمره معه عبدًا اسمه مسعود ، يأمره بمواقعة من يجده مخطئًا :

  • كان في زمن الخليفة الحاكم بأمر الله عبد اسمه مسعود له … له عضو عظيم وحين يمر الحاكم في الأسواق ويكتشف غشا في الأقوات أو خللا في الموازين وسرقة يأمر العبد مسعود بأن يطرح المذنب أرضا ويفعل فيه أمام الناس .

ومنها تذكرالشيخ رادع للخنجر الذى يحتفظ به ، ويذكر له تعرفه على والده قبل رؤيته هو  :

  • خنجر جدي الأكبر قعقاع الكتامي ، الذي أتى في ركاب المعز لدين الله حين قدم إلى مصر.. لم أرزق بالولد الذي يحتفظ به من بعدي ..

– تعرفت على أبيك قبل ولادتك .. يوم أن طلب الخليفة أوراقا كثيرة يكتب فيها فأمرنا القائد بالبحث عن القراطيس في كل مكان وكان أبوك صادق الوراق من أكثر التجار الذين اشترينا منهم الورق .

ومنها تذكر يونس للعلاقة التى كانت بينه وبين صادق القراطيسى :

  • فمن زمان ونحن شباب كنت أنا وأبوك صادق الوراق راجعين من دمياط على سفينة محملة بالخشب ، فاختل توازني ووقعت في الماء وبسرعة البرق سبح صادق خلفي وأنقذني من الغرق… ورغم ذلك لا نجد فى مثل هذه التذكرات لا تحدث مفارقات سردية لقلتها .

رواية القحط رواية تاريخية تصور لفترة مريرة فى تاريخ مصر فترة المجاعة ، ولم يلجأ الكاتب إلى سرد التاريخ ، فيفرغ نصه من قيمته الفنية ، ولكنه صنع نصًا روائيًا متخيلًا لأحداث جرت فى هذه الفترة ، وقد لجأ الكاتب لحيلة فنية ، لإضفاء المصداقية على روايته ، وذلك بالتلميح لأحداث تاريخية حدثت فى هذه الفترة ، ليجعل من التاريخ إطارًا ، وإن جاء هذا الإطار هامشيا ، لغاية فنية ذكرناها من قبل  ، ومن هذه التلميحات والإشارات :

ذكره لمحاربة الخليفة أهل صقلية على لسان ميمون ، والتاريخ يشير إلى ذلك ، وحدث بعد ذلك استقلال هذه البلاد لضعف الخليفة المستنصر ، وبعدها يترك صقلية مضطرا ، فورد على لسان مصعب ابن زيدان الذى طالت غيبته ، ثم رجع :

– لم أبق في الإسكندرية أكثر من سنة واحدة ،بعدها ركبنا البحر إلى صقلية وبقيت هناك إلى أن طردنا ولن نذهب مرة ثانية ..

– استولى النورمان على صقلية يا عم ميمون ..

حتى نفوذه (الخليفة المستنصر) الذى فرضه فى بلاد الحجاز والشام وبغداد ، حيث كان يذكر  اسمه فى الخطبة ، كخليفة للمسلمين فى هذه الأماكن ، سقط  بعد ذلك …فلم يعد يُذكر على المنابر ولم يعد خليفة هناك .

ومن هذه الإشارات التاريخية فى الرواية ذكره لخروج الخليفة فى المولد النبى على حصانه ، تتبعه حاشيته فى مهابة ، وبعد هذه الكارثة لم يعد يخرج كما كان يفعل من قبل :

– آه .. يا لمهابة الخليفة يوم خروجه على حصانه في عيد المولد النبوي الشريف فاتخذها صناع الحلوى عادة بأن يشكلوا حصانا من الدقيق المعجون بالعسل يركبه فارس يرفع سيفه يشبه الخليفة ..عند جبر الخليج .. كان الخليفة يركب على رأس عشرة آلاف فارس …. وكل فارس منا فوق سرج موشى بالذهب فوقه غطاء حريري ثمين منقوش عليه اسم الخليفة والجمال يحمل الواحد منها هودجا مرصعا بالزينة والنقوش وفصائل الجيش تسير الواحدة وراء الأخرى تجاه مصب الخليج وكانت فرسان كتامة قبيلتي عشرين ألفا من الجند الكتاميين الأقوياء ….الخليفة كانت له طلعة بهية ..  يرتدي ثوبا طويلا ناصع البياض ويركب بغلا مجردا من أي زينة يحيط به ثلاثمائة من الفرس والديلم سائرين على الأقدام يرتدون الملابس الموشاة و يحملون الحراب … 

ومن هذه الإشارات – أيضا – ذكره لانتهاء غلال الخليفة ومهاجمة الناس لمكان الغلال :

  • وسمعت أن مخازن غلال اليازوري نفدت عن آخرها وحمل جند الخليفة ما تبقى منها إلى مطبخ القصر في حراسة مشددة وهجم أهل الفسطاط على المخازن لعل الواحد منهم ينال حفنة يصنع منها رغيفا لأولاده حتى كنسوا قعر المخازن .

ومنها – أيضا –  ذكره لسبب تسمية ” أرض الطبالة ” بهذا الاسم ، ففى احتفالات الخليفة بانتصاره  لاستيلائه  على بغداد وخضوعها له :

– زمان ….استولى القائد البساسيري على بغداد وخُطب هناك باسم الخليفة المستنصر بالله معد بن الظاهر أعزه الله .. فكان انتصارا لا يعدله انتصار وأقيمت الاحتفالات في القاهرة وتوافد الناس يهنئون الخليفة المستنصر وغنته نسب الطبالة :

يا بني العباس ردوا        مـلك الأمـر مـعد

ملككم كـان مـعارا        والعــواري تسترد

وهكذا أخذت تنشد وهي تضرب على الطبل فطرب المستنصر لها ووهبها أرضا كجائزة لإنشادها فعُُرفت كل الأرض الخضراء في تلك الناحية بأرض الطبالة ..

ومنها ذكره لمحاولة الخليفة لزراعة الأرض التى تحيط بالقاهرة ، ليأكل من محصولها هو ومن فى القصر :

–  أمر الخليفة المستنصر أن يفلح الجند الأرض لتوفير القمح ..

بأن الجند يستزرعون الأرض القريبة من القاهرة والتي ستدر الغلال لقصر الخليفة

جواد يقول

– أنا ذاهب في سريّة من جند الوزير ابن الفرج محمد بن جعفر ..

– الوزير جعفر المغربي ؟ لماذا وإلى أين ؟ 

– ذاهب برسالة إلى بدر الجمالي والي عكا يدعوه الخليفة المستنصر فيها للقدوم إلى مصر ليقلده الوزارة فالخليفة يعول عليه أملا كبيرا في إصلاح أحوال البلاد ..

والتاريخ يؤكد ذلك ، فقد تولى بدر الجمالى الوزارة ، بعد اشتراطه على الخليفة بإحضار رجاله معه ، واستطاع الجمالى أن يقرَّ الأمن فى البلاد وينهض بها ، فعمل على تنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة برفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، وأدى انتظام النظام الزراعي إلى كثرة الحبوب، وتراجع الأسعار، وكان لاستتباب الأمن دور في تنشيط حركة التجارة في مصر، وتوافد التجار عليها من كل مكان  ، واتجه بدر الجمالي إلى تعمير القاهرة وإصلاح ما تهدم منها، فأعاد بناء اسوار القاهره وبنى بها ثلاثة أبواب تعد من أروع آثار الفاطميين الباقية إلى الآن وهي:باب الفتوح وباب زويله وشيد مساجد كثيرة فبنى في القاهرة مسجده المعروف بمسجد الحبوش على قمة جبل المقطم، وبنى جامع العطارين  بالإسكندرية.

-4-

أما عن شخصيات الرواية فلم ينظر النقد الحديث إلى تصنيف الشخصية من حيث وجودها السردى من منظور نوعى : (شخصيات رئيسية، وأخرى ثانوية) بل ينظر إليها من منظور كمى (كمجموعة أفعال تدخل فى علاقات متعددة مع غيرها) انطلاقا من منظور اللسانين الشخصية مجموعة من الكلمات، ورأى تودوروف أن الشخصية بمثابة الفاعل فى العبارة السردية بناء على ذلك لو نظرنا إلى رواية سأهبك مدينة أخرى للفقيه يمكن تقسيمها كالآتى :

أ- شخصيات تحتل أكبر مساحة فى الرواية :

1- ميمون الورَّاق .     2- الشيخ رادع .      3- غالية ( زوجة ميمون ) . 4- زيدان.

5- ريّان السقاء .

ب- شخصيات تحتل مساحة أقل لكنها مؤثرة :

1- مريم  .        2- مالك الذى استضاف ميمون فى أطفيح .

3- فاتك  .              4- جواد زوج سكينة بنت الشيخ رادع .

5- زملاء فاتك فى القتل والنهب ( صبيح  ، و شرار ، و قانع ،وغراب ، وكاشر  )

6- الذين صحبوا ميمون فى رحلته إلى أطفيح (أبو شجاع والحارس ) فى ذهابه و (

مشرق وأخوه غارب ) فى عودته .    7- رفقة زوجة يونس . 8- يونس .

ج- شخصيات تحتل مساحة أقل وليس لها تأثير فاعل فى الأحداث.

1-    الحسن  بن ميمون .                2- شوق                3- القس داود  .

4- غالب صديق ( فاتك ) الذى اصطحبه إلى بيت شوق .

5- سكينة بنت الشيخ رادع .           6-  مصعب ابن زيدان .       7-  ثريا أخت عالية وابنها الفضيل                           8-   رزق الحلاق و صابحة زوجته وزين ابنهما .

9- نصيف الإسكافى                 10 – عبد البر الغزّال

10- زينب زوجة الشيخ عامر ودميانة زوجة نصيف الإسكافي

11- غيث ابن ريَّان السقَّاء .              12 – ونيسة أخت رفقة .

13-  سمحة بنت يونس .                   14- بشير ابن يونس .

15-  لاوي بن بنيامين الذى اشترى بيت عبد البر الغزال بكيس دقيق ن وبتهديد جودا ترك البيت وأخذ ما دفعه .

16- أربعة مجرمين تعرضوا لميمون و (أبو شجاع والحارس ) فى طريقه إلى أطفيح .

د- شخصيات لم تظهر بنفسها، وإنما من خلال حوار الشخصيات الأخرى :

1- الخليفة المستنصر .                  2-  منقذ أخو ميمون وزيدان .

3- الوزير ابن الفرج محمد بن جعفر .    4-  ابن عائشة كاتب القاضي .

5-  القاضى أبو أيوب القحطانى .       6- قارون وعارف ( ابنا ثريا ) .

7- الحسن بن مسعود ( الذى مات فى أطفيح وذهب مالك لدفنه تاركًا ضيفه ميمون )

8- خليل البستاني الذى زوج ابنته عائشة لمنقذ .      9- عائشة زوجة منقذ .

10- مولانا الخليفة علي الظاهر .  11 – بدر الجمالى والى عكا نووزير المستنصر بعد ذلك

12- العبد مسعود .                 13 – الوزير أبي محمد اليازوري .

14- الوزيرأبو المكارم المشرف بن أسعد .           15 – الحارس سودون .

16 –  القائد مرزاق ( قائد من قواد الحرس )

17 – أيوب زوج ثريا ، وابناه قارون وعارف .   18 – صادق القراطيسى (أبو ميمون وزيدان ومنقذ )     19 – صادق وصفية ابنا منقذ .   20 – القائد البساسيري الذى استولى على بغداد فى عهد المستنصر .   21 – عبد الودود القصَّاب .

ويمكن تقسيم علاقات الشخصيات فيما بينها إلى :

تواصل : ميمون مع الشيخ رادع الكتامى ، ومع زيدان أخيه وابن أخيه مصعب بعد عودته ، ومع زوجته عالية ، ومع الساكنين فى درب الريحان  ( نصيف الإسكافى ، يونس وابنه بشير ،  رزق الحلاق ، و عبد البر الغزّال ) ومع ريَّان السقاء .

علاقة عالية بنساء درب الريحان (  زينب زوجة الشيخ عامر ودميانة زوجة نصيف الإسكافي ، صابحة زوجة رزق الحلاق ، ومع رفقة زوجة يونس وابنتها سمحة وأختها ثريا ، ومع سكينة ابنة الشيخ رادع الكتامى  …إلخ ،

. مشاركة : ميمون مع  الذين صاحبوه فى رحلته إلى أطفيح (أبو شجاع والحارس ) فى ذهابه و (مشرق وأخوه غارب ) فى عودته ، وعلاقة الشيخ رادع بجواد زوج ابنته وبزيدان أخى ميمون .

نفور : ميمون مع لاوي بن بنيامين الذى اشترى بيت عبد البر الغزال بكيس دقيق ، وبتهديد جودا ترك البيت وأخذ ما دفعه ،و ميمون مع أيوب زوج ثريا أخت زوجته عالية ،لأنه كان رجلًا ماديا ، عاش طيلة حياته يبحث عن الذهب قى المقابر ، حتى كانت نهايته انه دخل مقبرة ، ولم يخرج منها .

رغبة : فاتك مع الذين اتفق  معهم على الخطف والنهب ، فبدأوا ببغلة الوزيرمع ( صبيح  ، و شرار ، و قانع  )، ثم مع ( غراب  ، وكاشر)  بخطف البشر وقتلهم ، ليأكلوا لحومهم ، بعد تقطيعها وشويها شرائح . 

إعجاب : علاقة ميمون مع من حكى عنهم : الخليفة علي الظاهر لإعزاز دين الله  الذى عمل معه جنديا ليقضي على التمرد بجزيرة صقلية ،  والوزير بن كلس الذى كان ينسخ له الكتب ،

وعلاقته بأبيه الذى ترك له الذكرى الطيبة ، فامتهن مهنته ( الورق ) ويونس الذى كانت تربطه بأبيه ( صادق ) علاقة حب وتواصل ، وظلت هذه العلاقة فترك له اوراق البيت ومفتاحه ، وحساباته عند الناس …إلخ ، وكذلك علاقته ببشير ابن يونس الذى ترك له كل هذه الأشياء ، وأوصاه بان ياكل من مخزون البيت ، ومنها علاقته بالخليفة وإعجابه بخروجه فى المولد النبى على حصانه ، تتبعه حاشيته فى مهابة .

لا يحفل  الكاتب بذكر صفات شخصياته وملامحها الخارجية ، بقدر التركيز على ذكر علاقات هذه الشخصيات بعضها ببعض ، فالذى يهمه الصفات المعنوية للشخصية ، ولم يصف الكاتب لملامح أية شخصية سوى شخصية مريم ، التى استضافت هى وأخوها ( مالك ) ميمون فى أطفيح ، يقول عن ميمون ”  تفرّس في هيئة السيدة الوقورة الجالسة على كرسي من الخشب له ظهر من حشية عريضة .. استدارة وجهها تحده التلفيعة التي تخفي شعر رأسها .. حاجباها رفيعان يحدان جفنين عظيمين .. عيناها حادتان والبؤبؤ الرائق ينبئ عن استكانة وهدوء فرأى فيهما طيبة وعفاف .. أنفها نازل في استقامة تزين آخره شفتان مكتنزتان أسفلهما الذقن المدبب وقد بهت الوشم المنحوت في وسطه .. العباءة السوداء تلف الجسم الممتلئ فلا تظهر إلا يدها الممسكة بعصا رفيعة … البيت ذو طراوة أحسّها ميمون منذ وقوفه أمام السيدة فانتعشت رئتاه وظل مستجيرا بالصمت حتى رآها تبتلع ريقها وتنفرج شفتاها العقيقية عن صوت ناعم رصين .. يتعجب ميمون من كلام السيدة التي تضفره في سلاسل من لباقة أعجب بها ”

امرأة وقورة ثابتة ، لا تهتز للمحن ، وعندها قوة روحانية هائلة ، لقد رأت فى حلمها مجىء ضيف ينقذها من الثعبان ، وقد كان ميمون الذى خرج من بيته مغامرًا إلى أطفيح ليرى أخاه منقد ، وكل ما فعله هناك قتله لثعبان كاد أن يقترب من مريم .

ورغم معالجة الرواية لفترة متوترة جدا فى تاريخ مصر ،إلا أنا نجد كثيرًا من شخصيات الرواية تتصف بالمروءة ونقاء السريرة ، الشيخ رادع نموذج للشيخ النقى الطيب الذى يرى ببصيرته ما لا يراه المبصرون ، فجاءت أحلامه معبرة عن شفافية نفسه ، كرؤيته للحسن ابن ميمون فى ثياب بيضاء فرحًا بمكانه ، ميمون يرى فى حلمه زوجته فى أبهى صورة فى الجنان ، وكذلك ابنه الحسن الذى راوده الرجوع ، ولكنه رفض ذلك ، نجد يونس وزوجته يعطيان الطعام لميمون وزوجته ، ويترك عنده المفتاح والأوراق الخاصة به ، ويأتى ابنهما بشير يوصى ميمون بأن يأخذ كل الطعام والجبن والسمك وكل ما هو مخزن فى البيت … أبو شجاع والحارس يسافران مع ميمون ، وعندهما استعداد للتضحية بحياتهما إذا واجههم لصوص وقطاع طرق ، وعندما يتعرضون لهذا ينقذهم ميمون لحسن النية فى نفوسهم ، و مشرق وأخوه غارب يحرسانه فى رحلة العودة ، ومريم وأخوها مالك اللذان استضافا ميمون فى أطفيح ظهرا فى صورة أرقى من صور البشر ، حتى أن ميمون نهاية الرحلة شك أن يكونا من البشر ، فقال ”  – أيكون من قابلني بعد وصولي إلى أطفيح  من الجن الذي سخره الله ليساعدني في العودة إلى القاهرة وأن القرية بأكملها حصدها الطاعون فمريم وأخوها مالك لم يأكلا معي والجن لا يأكل من طعام الإنسان وتلك الرائحة العطرية التي لم أشمها في حياتي وما تزال ترطب ثيابي … وجاءت هديتهما لميمون قيمة ، مريم أهدته  منديلًا اعانه فى هجوم الجراد ، ومالك اهداه قنية عطر ….إلخ ، فالكاتب بذلك يلمح إلى غلبة الخير على الشر بدليل كثرة النفوس الخيّرة .

-5- 

الزمن فى الرواية لم يحدده الكاتب ولكنه من القرائن نعرف أنه فى فترة المجاعة فى عهد المستنصر كما أوضحنا ، والزمن فى الرواية يتماشى مع الرؤية السردية للكاتب ( مع الجوع يكون الموات ) أيضا مع الجوع لا قيمة للزمن ، فالأيام سواء ، ولا يُنتظر منها الجديد ، ولا الجميل ، لا ينتظر من الغد سوى الموت ، فالغد أصبح همًّا ثقيلًا ، لا للخوف من الموت ، ولكن لعدم وجود من يدفن من يموت ، فمنقذ حفر حفرة ورقد فيها حين أحسَّ بقرب منيته ، وكثيرًا ما يتردد على ألسنة بعض الشخصيات : وجدوا من يدفنهم …. فالزمن الأدبى زمن نفسى ، قال عنه شوقى : وقد يهون العمر إلا ساعة ….فهناك لحظة تساوى عمرًا … وهناك ساعة تساوى زمن الكون والحياة …. والسؤال الذى يطرح نفسه … مع الموات والضياع وانتظار الموت مع فقدك من تحب …ماذا تساوى الأيام ؟! …. هذا ما عبرت عنه الرواية دون أن ينطق الكاتب ببنت كلمة …لذا لا نشعر بتغير الأيام …. ولا بقيمته … اللهم إلا فى وقوع بعد الأحداث المتشابهة والمكرورة ، كمقتل طفل … وأكل لحمه ،أو اختطاف رجل أو شاب والعثور على رأسه ،أوعظامه بدون لحم …إلخ  .

المكان هو البطل فى الرواية ، وقد أجاد الكاتب فى وصف المكان ، وأشعرنا بأننا نعيش فى هذه الفترة ، وفى هذه البيئة ، البيوت الواطئة ، المبنية من لبن ،أو حجارة ، ومجبولة بالطين ، حوش للبهائم ،الكنيف ( الذى يُقضى فيه المرء حاجته ) الشوارع غير المهيأة ، النيل تحول إلى برك صغيرة ومسنقعات ، تموج بالطين اللازب ، والبهائم الميتة تزيد من عفونة الطين ، ومرتعًا للقراميط ، التى يصطادونها من جيف الحيوانات الميتة ، الشوارع يعمها العفن ، عفن جثث الموتى ، التى لم تجد من يدفنها ،ويأمر الخليفة غير مرة بحرقها ، ليس هناك مكان عزيز على صاحبه ، اللهم إلا البيوت المنسية من نهب المجرمين لها ن كدرب الريحان ، الذى زهد ميمون الحياة فيه ن وعندما توجه إلى أطفيح لم يجد مكانًا متغيرًا ، الموت تتبع الناس فى كل مكان ن وتكرك الاماكن خالية ، لا روح فيها ، ولا حياة ، ولا نبض ، وقد أجاد الكاتب وصف بيوت وشوارع القاهرة هذه الفترة ، فلا نجد سوى الموت والنهب يلطخ خذخ الشوارع بالدم المتخثر ،والعفن الممج ، نقف على بعض أمثلة ، منها : 

– عند مفترق الطرق يفاجأ ( فاتك ) بلفيف من الجياع يطاردون كلبا إلى أن أسروه بينهم ولم ير إلا السكاكين ترتفع وتنخفض ، والدماء تسيل منها فيبتعد عنهم دون أن تغادرهم نظراته حتى اصطدم بأحد فيهم برفع الساطور ..

– فتجحظ عيناه ( فاتك ) لشاب ملقى على الأرض ينازع وما من أحد يغيثه .. يبتعد عنه فاتك مودعا آهاته المحمومة خطوات ويقف أمام باب البيت فيقفز متحاشيا الاصطدام برجل لا يرتدي إلا ما يستر عورته يراه مهرولا وهو يصيح بكلمات غير مفهومة …

– يذهب لميمون فيغلق الباب على ابنه ويغادر حارته الضيقة وما إن يسير في الشارع حتى تصم أذنه الأصوات الزاعقة من شارع جانبي فيظهر رجل يجري وبين كفيه حفنة دقيق يتبعه لفيف من المطاردين ويلحقون بالرجل الذي تتعثر قدمه فيقع ويتكالب عليه كل من يستطيع أن يلحس ما يطوله لسانه من دقيق والرجل يصرخ لاعنا الباركين فوقه .. 

– لم يدخل ميمون بيته إنما جلس على المصطبة يقلب بعينيه بيوت درب الريحان التي أغلقت معظمُ أبوابها حتى بيت نصيف الإسكافي أقدم بيت فيه  والذي كان يفاخر بأنه ورث البيت من جده الخامس الذي بناه هجر الدرب فارا بأهله من القاهرة التي أمست خرائب صامته تنضح بالحزن ..

وعندما ضاق بمينون المكان ، وأراد الرحيل منه إلى أطفيح أملًا أن يجد مكانًا أفضل من المكان الذى يعيش فيه ، كانت الصدمة ، فى خلاء الطريق إلا من جثث الموتى ، واللصوص الذين هجموا عليه ومن معه ليأخذوا البغلة ، وربما كانوا يكملون بالاستيلاء عليهم وذبحهم …. وعندما قرب من أطفيح ” رأى باحة المسجد خاوية والتراب يغطي حصرها المفروشة فازدرد ريقه وتراجع .. يرفع عينيه  فيرى أبراج الحمام المقببة تشمخ بفتحاتها المظلمة ..

يضيق صدره وهو يسير فيتخطى أول بيت قبل بيت أخيه ، فتزكم أنفه تلك الرائحة التي يشمها عندما يسير بين المقابر.. يمضي متخطيا باب وشباك البيت الثاني .. يتوقف وكأنه يسمع شيئا وتتنصّت أذناه فيجيبه رنين الصمت المطبق على المكان .. يصل إلى أول شجرة سنط عجفاء بعدها باب البيت .. يقف أمامه .. بكفه يخبط .. يرفع صوته بالمناداة .. ينتابه قلق ممزوج بالغضب وخيبة الأمل .. يزيح الباب فيجده مفتوحا .. يتراجع للخلف فيتسرب ضوء شحيح لينير مجاز البيت الفارغ ..

– يا منقذ .. يا أبا صادق ..  

يجيبه صدى صوته ويضرب كفا بكف فترن الطرقعات في خواء المطرح .. يتلفت يمينا ويسارا فيجد الظلام ينسج شباكه على الشارع الضيق .. يجد الأمان في أن يدخل بيت أخيه .. يخطو للداخل فتطالعه حجرة الضيوف كما هي منذ أن رآها من عشرة أعوام بلا باب والسرير الجريدي في وسطها .. دارت عيناه في الحجرة الخاوية إلا من أحرمة مطبقة وحشايا ملقاة هنا وهناك ..

يتمشى قاطعا المجاز إلى صحن البيت .. الغرف أبوابها مفتوحة وتزداد تلك الرائحة كلما تقدم نحو الحوش الذي يستره باب خشبي كبير .. على يمين باب الحوش التفت إلى حجرة الخزين فيلحظ القرب الناشفة مبعثرة وبلاليص الجبن فارغة ومقلوبة ورائحة المش الجاف تفوح منها والذباب يحوم حول الفتحات العفنة والجرار خاوية من الزيت ومشنة الخبز ملقاة والفأر يرفع هامته منها ….. هذا هو المكان قاع صفصف خاوية ، تعصف فيها الرياح ، تزحم الأنوف رائحة الموتى  ، لقد هلك كثير من أحياء المكان ، فصارت خاوية مرعبة ، تنفث رائحة العفن فى أنوف المقيمين فيها و الوافدين إليها .  

لغة الكاتب رغم أنه  يروى لأحداث واقعية ، ولكنها جاءت فى صورة تصويرية ، ونقف على بعض أمثلة  للتدليل على رؤيتنا ، فمن البداية يستهل روايته بمشهد لطبيخ عالية للأرز ” بقليل من الرماد المكوّم بجوار الكانون أطفأت أم الحسن بقايا النيران ، ولم تلبث أن رفعت غطاء الإناء ، فأحاطت بها سحابة من بخار الأرز ، فغطته في عجالة ، ونهضت متكاسلة وقبل أن تغادر الغرفة صوّبت نظراتها إلى فخذي الكانون ، لتتأكد من إخماد النار وخرجت مغلقة خلفها الباب .. خطت نحو باب البيت ففتحته وأطلت بوجهها الصغير ،  فيطالعها الدرب خاليا في هذا الوقت بعد العصر .. فردت كفها أمام عينيها مدققة النظر ، فلم تلمح سوى بعض المارة في الشارع العمومي .. طال انتظارها حتى زفرت أنفاس الملل ، فلا أثر لعودة زوجها ميمون من دكان الورق .. بتأفف تغلق الباب ، وتستدير عائدة فيطالعها ابنها الحسن خارجا من الكنيف ، يريد تنشيف يديه ، فحدجته بنظرة معاتبة وهي تشير بيديها أمام وجهه….  

فلم يقل الكاتب انتهت الأم من إعداد وجبة الأرز ونظرت إلى ابنها لترى مدى استعداده لتوصيل الاكل إلى والده …. ولكنه صور لنا اللحظات الأخيرة لإنهاء الأكل … والتفكير لإرسال الأكل إلى زوجها ميمون مع الحسن …. ولكن التصوير يزداد جمالًا عندما يطلق العنان لمخيلته لتصوير مشهد من خياله ، يصور لنا صيد فاتك وكاشروغراب  لأحد الضحايا ”  يتصبون الشباك لمن يمرُّ عليهم  ، يصمتون ، وما إن يقترب الأعرج القصير حتى تـُلقى عليه شبكة من حبال الليف ، فتتعارك ذراعاه لإبعادها وهو يطلق صرخات الغوث ،  فعاجله القناصون بالخطاطيف والكلاليب .. يسحبونه  ، وفي سرعة ارتفع عن الأرض ، والرجل تتشنـّج ذراعاه  ، وتتعارك ساقاه في الهواء ، ويصرخ في رعب ممزوج بالألم ، للخلاص من تلك الأحبولة التي أحكمت عليه  ، وفي أول ظهور لرأسه يعاجله فاتك بضربة من عصاه الغليظة ، فسكت لسانه وارتخت ذراعاه ، وتم سحبه إلى السطح ناحية السلم  ، ونزلوا إلى صحن البيت ذي الغرفة الواحدة ، فيهوي فاتك بالساطور على عنقه وبضربة واحدة انفصلت رأسه ….  

وقد تنوع أداؤه اللغوى ، فنجد ميله أحيانا فى سرد المواقف التاريخية إلى اللغة الساردة التى تهدف إلى الإبلاغ ،  ولكنه يلجأ إلى الحوار مع هذه اللغة ، ليجسد لنا المشهد شاخصًا أمامنا ، والحوار حجز الزاوية فى السيناريو ، الذى يهدف الكاتب من خلاله رؤية الحدث رؤيا العيان ، يسرد لمجىء ريَّان بالماء ودخوله بيت ميمون ،يحمل قربة أخرى وبدورها تفسح له رفقة  الطريق وبعد إفراغها تعطيه رغيفين وبيد سودتها الشمس يلتقط ريان الطعام متلفتا يمنة ويسرة ثم يفتح إحدى القرب الفارغة ويدخل الرغيفين والجبن داخلها ويربط الحبل ..

– خير يا ريان ..  من يومين لم نرك ..

– ربنا يسترها يا أم الحسن .. النيل مياهه قلت ..

– جف يعني ؟  

يبتلع السقاء ريقه وهو يلتفت إلى تعليق أم بشير فيهز رأسه مكملا ..

– في طريقه .. فبعد أن كنا نعبئ القرب من الشط  نضطر أن ننزل في الطين لنملأ من بطن النيل ..

بكفها تضرب أم بشير يدها على صدرها وتجحظ عيناها الكحيلتان ..

– سمعنا السنة الماضية إنه قلّ وقلنا أهي مرة وتعدي وبعدها يفيض ..

– قل أكثر من السنين الماضية يا ست رفقة وربنا يسترها ..

– يا رب ..  

يحمل ريان آخر القرب ويتجه إلى بيت الشيخ رادع الكتامي ويقرعه فيأتيه صوت الشيخ الضرير من خلف الباب بأن يدخل فيزيح ريان الباب ويغيب برهة ويعود للسيدتين اللتين مازالتا واقفتين فيلقى القربة الأخيرة بجوار أخواتها وتقبض يده على لجام الحمار

وقد أجاد الكاتب فى استخدام معجم اللغة المعبر عن هذه الفترة الزمنية ، لتصوير الواقع بصورة مقنعة فنية ن وقد احتاج هذا المعجم للتطعيم من مفردات اللغة المستخدمة فى هذا العصر ، وجاءت هذه الألفاظ ملتحمة بالنسيج اللغوى فى النص عامة ، ومن هذه المفردات :

الطبرزين (  آلة حربية تشبه البلطة ) المدماك ( صف الطوب الذي يتم بناؤه ) الوشرة ( قطعة الخشب التي يقطع عليها اللحم ) الطومار ( الورق كبير الحجم  )الكنيف ( مكان قضاء الحاجة فى البيوت )   البشكور( سيخ حديدي ذو طرف معقوف يسحب به الخبز من بيت )  شكمجية الحلى ( العلبة التى تحفظ فيها المرأة حليها ) دهن البلسان ( شجر له زهر أبيض كهيئة العناقيد من الفصيلة البخورية ويستخرج منه العطر وينبت بعين شمس بظاهر القاهرة )التليس ( مفرش يكون من جلد الماعز والضأن ) ومن هذا المعجم  استخدام الشهور القبطية ( برمودة . بشنس . بؤنة  ) الأحباس ( الأموال التي كانت تنفق على الجامع وشيوخه وطلابه )  البربا ( بقايا معابد المصريين القديمة )   

رواية القحط رواية جديرة بالقراءة والتأمل ،فالعمل الجيد كلما تمعنت فيه وجدت الجديد ، فليس هناك قراءة قاطعة للعمل الفنى ، وهذه رؤية نقدية لقراءة هذا النص ، الذى يعتبر نقطة هامة فى حياة الكاتب الفنية ، فقد فازت بجائزة الدولة التشجيعية ، مما يدلل على ثراء هذا النص وجماله ، إنها نص له طزاجته الخاصة ، وروحه الفنية الوثابة . 

 

اترك رد