الروح الأنثوية البريئة في مجموعة فأوحى لها..للكاتبة/دعاء أحمد شكري..قراءة للناقد وائل النجمي

108
  • الروح الأنثوية البريئة 

في مجموعة «فأوحى لها» للكاتبة (دعاء أحمد شكري)

قراءة الناقد: وائل النجمي

عندما قرأت المجموعة القصصية «فأوحى لها» للأديبة (دعاء أحمد شكري)؛ استحضر ذهني مجموعة من القضايا الأدبية المتعلقة بالتساؤل حول التجديد في الكتابة، وحول اختلاف الرؤية الأدبية عبر الأجيال المتعاقبة؛ وحول المُتُن والهامش في الأدب والابداع، فربما ما كان يُعَدُ معيارا للأدبية في الماضي ليس بذات القدر عند الأجيال الجديدة، وهل واجب علينا أن نُلْزِمهم بأذواق الماضي؟  سأنظر لهذه المجموعة كنوع من الكتابة الجديدة؛ ذلك أننا لو طبقنا عليها المعيارية التقليدية فقد لا نصل لجوهر ما تطرحه الكاتبة فيها، فهي تغرد خارج المألوف والمعتاد، فعلى امتداد أكثر من خمسين قصة وأقصوصة وخاطرة أحيانا – مثل خاطرة الخندق ودهشة والزهرة ودراكولا، تطرح (دعاء) هموم جيل جديد، وهي هموم ربما – كنقاد – لا نعيرها ذات الاهتمام في ظل بحثنا عن رصانة الحبكة الأدبية وعن الحافز والدافع والوظائف السردية وغيرها من المصطلحات النقدية الحداثية وما بعدها.

والحقيقة أني مهتم بمتابعة تأثيرات الواقع الذي نعيشه لدى النوعيات المختلفة من الكتابات الجديدة، خاصة أولئك الذين أشعر أنهم أصحاب محبة خالصة للأدب، ليسوا من الباحثين عن الجوائز الشهيرة ولا الراغبين في تحقيق الشهرة على حساب أدبية للأدب، وهاتان الآفتان – الجوائز والرغبة في الشهرة السريعة – جعلتا الكثيرين يحيدون عن ابداعيتهم لصالح مخاطبة ومغازلة محكمي الجوائز المختلفة، داخل مصر وخارجها، فجاءت كتابات لكتاب يعدهم البعض كبار لكونها حازت على جوائز كبيرة، إلا أنها في الحقيقة بعيدة عن مجتمعنا المصري وعن قيمه، وعليه فإني أرى في مجموعة «فأوحى لها» أنها كتابة نابعة من قلب صافي، وتحمل بداخلها روح أنثوية بريئة، تشفق على المجتمع ولا ترغب في أن تعيش دور الضحية له، بعكس السائد في كتابات النسويين والمعبرين عن هموم المرأة سواء من الرجال أو السيدات، فيبرئون المرأة براءة تامة، ويدينون الطرف الذكوري فقط، أما هنا فالجميع في ورطة في صراعه مع الحياة، رجال وسيدات، لكن الحكي يأتي من روح الأنثى؛ فتنتبه لمواقف ربما يصعب أن نلتفت إليها في حياتنا اليومية أو كتاباتنا الإبداعية؛ فتعبر عن هموم الواقع ولكن ليس بالطريقة الفجة التي تجعل من هذا الواقع قبيحا أكثر مما هو، وفي اعتقادي أن قوة هذه المجموعة في مجوعة المشاهد واللقطات التي توقفت الكاتبة عندها لكي تترجمها ابداعيا.

فعقلية الطفلة الصغيرة التي تتصدى لخيانة والدها وهو يلهو مع «طنط جيجي» وتعيده لصوابه في أقصوصة «عافاك الله»، والزوجة التي تحلم بأنها انجبت ولدا عاقا تستغيث منه فتأخذ مع نفسها قرارا بألا تعير زوجها بعقمه في أقصوصة «ولد عاق»، وصدمة فتاة في رجل كانت معجبة برجولته وهو يدلل زوجته لتكتشف أنها الزوجة الثانية وأنه يريدها الثالثة في قصة «وعجبي»، ومعاناة الطفلة مع زوجة أبيها في قصة «عجائب القلب الروعة»، والمشاعر المكبوتة، وترهل جسد المرأة مع كبر السن وخوفها من ذلك في قصة «انفجار»، والتحرش في أكثر من قصة، ومشاعر الاضطراب وخوف الفتاة من زوجها في ليلة الدخلة «أسير الروح»، والخيانة الزوجية في قصة «المجهول» حتى نصل لمراحل من المرض الاجتماعي يصعب الحديث عنها كاغتصاب ذوي المحارم لمحارمهم، مثل اغتصاب الأم في قصة «اصطدام»، والشذوذ الجنسي الذي ينغمس فيه من يتزوج أجنبية في قصة «آخر زمن» حتى نصل لاغتصاب الأخ – مدمن المخدرات – لأخته في قصة «سرطان الدم».

كل هذه الفجائع الاجتماعية تأتي في لغة مرهفة شفافة بدون أن تُخَصِّص لها الكاتبة لغة بذيئة تناسب جرم الأفعال، أو لغة تحرك الغرائز والمشاعر، بل تعتمد على لمحة من التشويق ثم الكشف عن قبح الفعل وجرمه، تاركة القارئ في مواجهةٍ مع ضميره ومع نفسه لكي يدين هذه الأفعال؛ فلنراجع مثلا رصدها لفعل اغتصاب الأم، تقول في اقصوصة اصطدام:

«عاد متأخرا .. يجذبه شيطانه لحجرتها فيجدها نائمة، وقد تخلى الغطاء عن سترها، فزاد من إغراء شهوته بريق جسدها البض الذي زاد جاذبية مع ضوء (السهراية) المسلط عليها.. أصرت الشهوة الملحة ليفترسها.. شعرت بثقله.. شل حركتها.. تصطدم عيناهما .. تنتفض روحها.. يتصلب لسانها صرخت عيناها الفزعة:

  • (ابني)..

أجابتها عيناه الشرسة برغبته

  • بالتبني..» صـ55

كان يمكن صياغة هذه اللقطة بالعديد من الألفاظ التي تكشف تفاصيل الفعلة، وهي التفاصيل التي ربما يعدها البعض من باب جذب القراء وادهاشهم أو حتى إثارتهم حتى يستمروا في فعل القراءة، لكن (دعاء شكري) تمر بهذه المواقف بنوع من الكتابة المحايدة من حيث الإثارة الجنسية، لكن تترك أثرا عميقا لتأنيب الضمير لدى القارئ، تصبح عندها المشاعر هي الأساس، والجنس موضوع للمناقشة بما يترتب عليه أو منه لكنه ليس هو الأساس، وإنما الأخلاق والنضال لتحسين واقع المجتمع – أخلاقيا – هو ما تطمح في الوصول إليه، وتأتي الخاتمة هنا على نحو يثير التساؤل والانتباه تجاه القضية التي تتناولها، فنحن نشعر من جو القصة بغياب الأب، ربما مات أو يعمل في الخارج، ومن ثم نشعر بالشفقة على كل أم تربي طفلا وصل لمرحلة المراهقة بمفردها، لكن لا نعرف حقيقة كلمة بالتبني، هل فعلا هو ابن متبنى؟ أم هل هي إشارة إلى مشاعر الأمومة والبنوة في هذا الزمن فمنها ما قد أصبح مزيفا؟ كلمات قليلة تختصر معاني كثيرة هنا.

هكذا تتدرج اللغة على نحو مخادع، تحمل نعومة في التعبير وفي الوقت ذاته توجه رسالة موجعة للضمير وللأحداث العجيبة التي نعيشها، مثلا في قصة «بالصدفة»، ففي هذه القصة تناقش قضية زوجة على أعلى درجات الخُلُق والدين والعفة، بل على درجة من السذاجة بحيث أنها لا تعرف أيا من وسائل العصر الحديث التي يمكنها أن توصل «الخيانة دليفري» للمنزل مثل الانترنت والفضائيات وغيرها، وهو تعبير أعجبني – «الخيانة دليفري»؛ وهو يكشف قدرة الكاتبة على الربط بين معطيات العصر وبين القيم الأخلاقية المتغيرة والمهزوزة في زمننا، ورغم ذلك يتفاجأ الزوج بفعل عجيب من زوجته التي يرى أنه غير مقصر معها في أدائه حقوقها، فهي «تستمني»! وعلى نقيض ما يمكن أن تخرج لنا كاتبة نسوية لتعبر عن حق المرأة في أن تستمنى حتى وإن كانت متزوجة، إلا أن كاتبتنا تعالج الأمر على نحو آخر، تقول في خاتمة القصة: «أظنك الآن قد تلاشت من داخلك علامات التعجب وبحنانك نحوها ستساعدها لتترك العنان لمشاعرها وتتدفق مطمئنة بين يديك وبإذن الله لن تلجأ زوجتك مرة أخرى للاستمناء.. هكذا قالت الطبيبة، وخرجا من عيادتهما أناملهما متعانقة وخطواتها حانية..»صـ75

اعتبرت الأمر مرضا زوجيا، مسؤول عنه عدم القدرة على تحقيق التفاهم بين الطرفين، فلا تنسى الزوجة رد فعل زوجها المباغت لها والمستنكر عندما أطلقت العنان لشهوتها معه، إنها قضايا في قمة الحساسية المجتمعية، لكنها تعالجها في قمة التعبير الرقيق الذي لا يجرح كبرياء الرجل، ولا يفض الخجل الأنثوي، وكأننا أمام سحابة طيف تعرض الموضوعات الساخنة والحساسة بمنتهى البراعة في التلميح دون التصريح.

أما على مستوى الكتابة اللغوية، فكثيرا ما حلقت الكاتبة في سماء اللغة مقربة لغة القصة من لغة الشعر، ففضلا عن اختيارها للعنونة المميزة لأكثر من خمسين عنوانا يحمل في داخله تناصا مذهلا مع أحداث القصة أو الخاطرة؛ فجاءت مثلا خاطرة بعنوان «دراكولا» لتحدث فيها تناصا بين فكرة دراكولا وبين غيبة الناس وجعلت ممن يغتاب الآخرين كأنه مصاص للدماء بل آكل للحم، وفي قصة «قيامة عشق»، تستخدم هذه التعبيرات المرهفة فتقول: «قطيعتك لرحم قلبي الذي حملك بأحشائه.. جفاؤك التهم هدوء نفسي ونضارتي.. فنضب سريان دمي بعروقي.. أصبحت قفرا خاليا من الإحساس والأمل.. اختلت أعضائي إلا من قلب ينبض لك.. حين تصلك رسالتي أعلم أنه قد قامت قيامتي.»صـ12

هكذا هناك تعاضد في العنونة ومحتوى القصة وفي الموضوعات المطروحة، ومحاولة التجديد والتجريب تراوحت بين ادخال الخيال العلمي والاستحضار التاريخي والخرافة الشعبية كقصتها «عودة زليخا» و«تبين» و«الكا»، ولم تنس أن تدين المرأة السيئة كما فعلت في قصة «جرم امرأة» عندما حَوَّلت امرأة فاتنة مناضلا يبحث عن هموم الناس إلى عبدا لشهواته، وهكذا حتى نصل لتعبير بسيط عن العنوسة عندما قامت بطلة قصة «قبر الخجل» بالوقوف لكي تجلس بدلا منها سيدة في سن أمها، وعندها قالت لها أنت مثل أمي، فترد عليها، «مثل أمك ولكن عذراء»، هكذا تلتقط قضايا حساسة وتطرحها بلغة مبسطة وارئها الكثير من الحزن العميق.

لكن ما الذي يمكن أن نأخذه على الكاتبة ونعتقد أنها لو انتبهت إليه سوف يتطور أداؤها كثيرا، في اعتقادي الكاتبة تجيد اختيار عناوين قصصها وتجيد الفكرة والافتتاحية، لكن تبقى عندها مشكلة في النهايات، فالنهايات تأتي في كثير من الأحيان على نحو أخلاقي صارم يحاول تحقيق نهاية سعيدة بانتصار الخير؛ بدون تمهيد منطقي – وأقصد هنا بمنطق القصة ذاتها – وبدون تفاعل واضح مع الحدث، فلا نتوقع مثلا من الأب الذي عنفته طفلته عندما كان يقبل «طنط جيجي» رغم أنها تدخن؛ فتطلب منه طفلته عندما يريد أن يقبل أن يقبل أمها فقط؛ لا نعتقد ان الأمر قد حُلَّ بهذه الطريقة في موضوع كبير وخطير مثل هذا، ولا اعتقد أن زيارة للطبيبة تكفي لحل مشكلة عدم التوافق والانسجام بين زوج اختار زوجة لكي تكون معزولة عن كل شيء وهو بالتأكيد لن يجد معها ما يصبو إليه من مناغشة الأزواج، ثم عندما تحدث بينهم قطيعة التوافق في رغباتهم أن يحدث التوافق بسهولة؛ وهكذا.

فالموضوعات الحساسة والصعبة التي اختارتها الكاتبة كانت تحتاج إلى جهد اكبر في الخاتمة؛ وهو ما أتمنى أن تنتبه إليه في المرات القادمة، وأحيانا تتخذ الأحداث منحى الطفولية، صحيح هو أمر جميل أن نتذكر الذكريات الجميلة كما في قصة «مذكرات بريئة» إلا أن زخم الواقع والمشكلات التي طرحتها يحتاج قدر أكبر من المعالجة والتناول، وتفكير أكبر في خاتمة تستجيب للمنطق الداخلي للقصة نفسها، سواء كانت تريد أن تختم قصتها بخاتمة سعيدة أخلاقية أو الخاتمة المفتوحة كما يفعل الكثير من الكتاب حاليا، وأتمنى لكاتبتنا كل التوفيق في محطاتها القادمة وفي ابداعها المتميز.

 

 

Comments are closed.