أهازيج أربعينية . مشروع ابداعى متكامل .. قصة وشعر ورسومات

اهازيج اربعينية

جرعة ادبية فنية ابداعية متكاملة من أجمل المشاريع الابداعية فى 2018 ربما تكون بداية متالقة مع اشراقة العام الجديد اقدمها لقراء مجلتنا الغراء ( مبدعو مصر ) على امل ان تروق لكم الفكرة وتتفاعلوا معها وتدعموها .

خالص تحياتى واحترامى للقائمين عليها

 

 

ليلة من ليالي شتاء يناير الممطرة .. الشتاء الذى عشقناه فى الكبر ..لا يوجد ما يجغلك تعشق الشتاء.. ولكنك فى أواخر الاربعينيات من عمرك تتمني ان تسكن كل الحركات حولك .. فى الشتاء الكل يكف عن الحركة ..هذا السكون الذى يشعرك بالراحة ..لم تعد قادرا على الحركة كما كنت فى السابق ..منذ أكثر من عشرين عاما لم تكن تكف عن الضجيج ..اما الآن لم يتبقي لك سوي ذكريات هذا الضجيج .. أصبحت لديك ذكريات تحتاج إلى ليالي الشتاء لكي تستعيدها ..أين تلك الفتاة البدينة التى أذاقتك مرارة الحب فى المراهقة ..أين صديق المرحلة الاعدادية الذي تعاهدتما سويا على البقاء أصدقاء حتى الممات والان أنت بالكاد تتذكر ملامح وجهه .. أفقت من تأملاتي على رنين الهاتف النقال بأشعار بوصول رسالة نصية ..مددت يدي بلامبالاة لمعرفة صاحب الرسالة النصية ..هو بالتأكيد” حمدي “ذلك الوغد البخيل الذى لا يكلف نفسه أموالا للاتصال بأحدهم ..يجب أن أبلغ عنه يوما شركة الإتصالات لتقاضيه أمام المحاكم لاستغلال خطها دون داعي ..يحرص على الأموال كحرصه على أولاده ..غالبا ما يمنعه عن التجارة بأعضاء أبناؤه هي قوة شخصية زوجته سليطة اللسان .. كانت رسالته مختصرة وكأنه يقتطعها من لحم فخذه الممتلئ ..(( أحمد صالح فى مستشفى المعادي منذ أمس )) .. أحمد صالح صديقنا المشترك الذى لم يتزوج حتى الآن .. لديه قناعات راسخة بأن الزواج يذهب بعقل الانسان ولا يدرك هذا الغبى ان الزواج يذهب بالعقل والصحة كذلك ولا يعود بهما مرة أخري ..هو دائم البحث عما يجعله سعيدا يعمل فى وظيفة حكومية ويمتلك مبلغا ماليا فى أحد البنوك يدر عليه فوائد شهرية تجعله لا يحمل هما للمعيشة .. وهو متاح طوال الوقت ولا يوجد ما يشغله عن المتعة والراحة سوى خلافه الدائم مع مديره العجوز ولا يكف عن الشكوى منه طوال الوقت .. أحمد يعشق النساء بكافة أنواعهن ولكنه يخشي البقاء أسيرا لامرأة واحدة ..كنا لا نكف عن نصيحته لكي يتزوج ..وغالبا كان لدينا الرغبة ان تنتهي تلك الضغوط النفسية الذى كان يسببها لنا ذلك الأربعيني الذى لم يشكو ألما أو هما ودائم الضحكة حتى أنه كان يبدو أصغر منا سنا بعشر سنوات على الاقل ..ورغم كل مظاهر التفاهة فى حياته إلا إنه كان صديقا رائعا بحق ولم يبخل أبدا على من حوله بالوقوف معهم وقت الشدائد وكان هو بمثابة رجل الخير بين ثلاثتنا حتى بأمواله وكأنه يعوض تلك النظرات الحاقدة له على معيشته المرفهة .. قررت الاتصال بالوغد البخيل حتى أحصل على تفاصيل الأمر .. كنت أتوقع أن يفاجئني بضحكته السمجة وهو يسمع صوتي المتهدج قلقا على صديقنا ..فهذا الوغد كان دائما على ممارسة تلك الألعاب الصبيانية رغبة منه فى إدخال البهجة على نفوسنا ونحن بالمقابل نتمنى دائما إدخال سكين صدأة فى صدره ليكف عن دعاباته السمجة للأبد …ولكن ذلك اللعين كان هاتفه مغلقا .. فكان الحل الأخير هو الإتصال بأحمد صالح نفسه لكى اتفق معه على رد هذا المقلب لحمدى حتى لو وصل الأمر إلى خطف أحد أبناؤه وطلب فدية جنيهات قليلة رغم أنني متأكد أنه لن يدفعها ولكن هاتفه كان مغلقا … كانت الساعة تشير عقاربها الى العاشرة والجو ممطر فى الخارج وساورتني الشكوك بأن الامر قد يكون حقيقيا ..قررت الذهاب بنفسي الى المستشفى رغم ثقل هذا الأمر على نفسي .. لماذا لا تأتى الأخبار السيئة سوي فى الشتاء لا تاتي أخبار الوفاة والمرض والحرائق سوى فى الليالي الممطرة ..وكأن الشتاء يخشي الوحدة فى الخارج فيدفعنا دفعا الى الخروج إليه ومواجهته .. أن تبلغ زوجتك بخروجك فى تلك الليلة لزيارة صديقك المريض فانت على موعد مع تحقيق بوليسي سوف تمارسه عليك لكى تهزم تلك الحيلة التى تسبب صانعو المسلسلات بترسيخها فى أذهان النساء من كثرة تكرارها فى كل المسلسلات السمجة التى لا يكف التلفاز عن عرضها .. ولكن عشرون عاما من الزواج تجعل الأمر سهلا لأنها ببساطة أصبحت تعرف كونك كاذبا أم صادقا لأنك لم تصبح كالكتاب المفتوح بل أصحبت كتابا ممزقا يسهل معرفة كل سطوره .. فى الطريق الى المستشفى كان سائق التاكسي صامتا لحسن الحظ ..أعطاني صمته الفرصة للتفكير فيما يمكن أن يصيب هذا الضاحك طوال الوقت ..أحمد صالح كان صاحب الفم المفتوح طوال الوقت ..فهو إما يأكل أو يضحك ..منذ ثلاثة أيام ضحك لمدة ساعتين متواصلين بعد أن فاز فى مباراة حامية فى الطاولة مع الوغد البخيل حمدي الذى أوشك قلبه على التوقف حين قام بدفع قيمة المشروبات بعد هزيمته النكراء … هذا الضاحك ما الذى سيألمه يوما وهو ذو صحة جيدة ..قد يكون أحس بوعكة خفيفة أو نزلة برد مما تمر علينا جميعا نتجاهلها وقرر الذهاب للمستشفي للاطمئنان على نفسه ..أتخيله الآن مستلقيا على أحد السرائر البيضاء يعبث مع الممرضات ..فقد كان يعشق كل النساء فى الزي الرسمي حتى لو كانت ظابطة شرطة فى مصلحة الجوازات ..إبتسمت وأنا أتذكر حينما ظبتطه متلبسا وهو يغمز لإحدى عاملات النظافة فى ذلك المول الشهير الشهر الماضى وترجاني ألا أبلغ حمدى والذى بالطبع لن يتواني عن نشر تلك الحادثة بين رواد المقهى .. وصلت الى المستشفى وقد إستقر فى نفسي أن الأمر لا يعدو كونه وعكة بسيطة لا تستحق معاناة النزول فى هذا الجو البارد … ولكن قبل أن أسأل عن الاسم فى الاستقبال رن جرس هاتفي فجأة وكان حمدى هو المتصل فتأكدت من ان هذا المقلب كان يستحق أن يضحى بمكالمة من أجل ان يستمتع بردة فعلى العنيفة ….أسرعت بالرد عليه قبل أن يكتفى بتلك الرنة الوحيدة التى سيقسم بعدها بأغلظ الإيمان أنه قد قام بالإتصال ولم أرد ..وفاجأته بوابل من الشتائم التى حاولت بها تعويض تلك الحالة التى أصبحت عليها ..ولكنه لم يرد سوي بكلمة واحدة وهى : أين أنت ؟ أجبته بعدما استشعرت القلق من هذا الرد المتحفط بأنني وصلت على باب المستشفى .. قال جمله واحدة : البقاء لله توفي أحمد الآن .. وأنا فى الدور الرابع امام العناية المركزة .. لم يعد فى القلب مكانا للأوجاع ..ولكن ذلك الوجع الذى أصابنى بعد تلك الجملة قد أزاح أوجاعا كثيرة واستقر مكانها ..لأول مرة يأتي الوجع قبل الصدمة …لأول مرة أجرب شعورا قرأت عنه مرار
ولم أختبره وهو ( قد مادت الأرض تحت قدميه ) ..لم أتخيل أن يأتي يوما لا أستطيع فيه البقاء واقفا على قدمى بعد خبر سيئ ولكنه حدث ….. لم اطلب يوما من أحدهم ان يأخذ بيدى ولكنني طلبتها اليوم ..لم أكن اتخيل أن يبكي رجلا فى مثل سنى ولكنه حدث .. صداقة ثلاثون عاما مرت فى لحظات …صعدت الى الدور الرابع لم اتخيل يوما ان ارتمي فى حضن هذا البخيل فى أمواله ومشاعره ولكنه الموت الذى يغير طبائعنا ..نظرت على جسد صديقي وهم ينزعون الخراطيم من جسده ..نزيف فى المخ أنهي حياته وبدأ معه وجعا فى القلب ..كنت أفكر دائما كيف سيعيش أحمد بعد وفاتنا ..بالطبع سوف يموت بعدنا بثلاثون عاما ..لن يموت قبل أن يتولي دفننا جميعا بل سيحصل على صداقات اخري بعد موتنا ..والآن هو هذا الجسد الذين يلفونه بعناية تجهيزا لمغادرة الدنيا .. لا تحتاج إلى قراءة ملايين الكتب لتبلغك بأن الموت قريبا ..بل يكفى أن يمر على الجالس بجوارك ..

 

 

عن محمد عبد القوى حسن

محمد عبد القوى حسن رئيس مجلس الأدارة

تعليق واحد

  1. اهازيج اربعينية عمل ادبي متكامل اكثر من رائع مع تمنياتي بالتوفيق لكل من شارك في هذا العمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*