الشاعر الطفل سعدنى السلاموني  في كتابه “مَحْوُ الأميّة  البصريَّة” عالم  عَلا بالمَحْو  قامةَ “نعوم تشومسكي “

الشاعر الطفل سعدنى السلاموني  في كتابه “مَحْوُ الأميّة  البصريَّة” عالم  عَلا بالمَحْو  قامةَ “نعوم تشومسكي ”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقاربة  :د.أحلام غانم

توطئـــة:

الشاعر الفيلسوف سعدنى السلاموني  في كتابه “مَحْوُ الأميّة  البصريَّة” عالمٌ  عَلا بالمَحْو  قامةَ “نعوم تشومسكي ” .. وظهر على مسافة واحدة  من حالة الحضور البصري المباشر في العلم من قول ارسطو :” تعليم العقل  دون تعليم القلب ليس تعليماً  على الإطلاق .”

قوة تعبيرية عظمى   :

حدّد الكيفية التي تصنع بها  شفرات مَحْو الأميَّة ، بقبول المختلف  التي ستؤدي   إلى تغيير أشمل ،وكيف تمحى بصرياً من قبل المتلقي  ولا يمكن أن تحصر بمجال واحد أو اثنين ، لأن الأشياء المرئية في محيط المنشأ أكثر من الأشياء المسموعة والمشمومة والذوقية.

و قد أخذ إحساسه بالأشياء  يأخذ شكلاً دائرياً في منتصفه ونواته العين ، و يبدو أن هناك قوة تعبيرية عظمى   تحرك ” السلاموني “في انتاج خطابه البصري  في حضور المعاني الخفية  وراء الشكل الظاهري، بما يعكس ثنائية الحضور والغياب  إحدى مرتكزات  الإدراك الجمالي  الظاهراتي  .

خيال العقل :

إذ ما أراده السلاموني  الإعلان عنه نظرية خيال العقل أو علم الخيال .. الذي دائما ما يسبق العلم ، بل هو عين العلم  الذي يرى بها  ويدير الكرة الأرضية عن طريق الموجات الخيالية  السريعة والتي سرعتها  أسرع من سرعة الضوء  بملايين السرعات  وهذا الإثبات، وهذه الحقيقة  التي تعني إتمام  القوة ،هي الرفع  إلى القوة العليا  من هنا يتـضح قوله :”النظرية العلمية بدايتها ونهايتها ماهي إلا رأس وجسد ولا يصطادها إلا خيال العقل ” ص-15

إلغاء المسافة  الفاصلة :

إذ إنه يتجه  تلقائيا  قاصداً الأشياء ذاتها ،محاولاً إلغاء المسافة  الفاصلة بين نقطة البَدْء و محيط  المنشأ و نقطة الوصول ، أي إحلال المكانية المفترضة  اللاوصول . الذي يجعل الفكر ة اللانهائية لا تتحقق إلا في لا نهائية الحدس، ذلك الفن الذي يمثل الكرة اللانهائية .

مِمْحَاة الزمن:

جابهنا “سعدنى السلاموني” بما يحرضنا على محاولة  مَحْو الذاكرة المعيبة قبل حدوث الانفجار الكبير؛  إنه ملمح  مضمر  يعود بنا إلى عشق الحياة  ومجدها ،ببدائيتها ونشوتها ، ليصبح الواقع خلفية ساندة لفعل الذات  وعناصرها كالمتخيل  والشعور والحدس والوعي ، استحضرها  ” السلاموني” من خلال انزياح جميل لمادية الاشياء عبر مِمحاة الزمن ومخاتلة مفرداتها البصرية ذات الجذور البدائية حيناً، وبإغراء من يستسهل في محو الأميّة البصرية أحياناً.

وهنا يمكن أن  يفسر لنا  محو بعض الأشياء التي ترهق قرص الذاكرة  ويفسر لنا ” طلب امبراطور صيني من كبير الرسامين في القصر أن يمحو صورة الشلال المرسومة على الجدار لأن هدير المياه كان يمنعه من النوم”

ما وراء الكينونة :

لاشك إن المعرفة والفهم  يسيران وفق مسار دائري  ولا يتوقفان ،  والأحاسيس  هي الموضوع  الوسيط للمعرفة ، فحينما يبصر القلب الزمان والمكان  ،وتدرك عين  القلب أنهما صورتان للحدس الحسي.  هنا لا بد أن تجيد النفس مَحْوَ أمّيتها ، و مساءلة ما وراء الكينونة ومحاورة ذاتها، وتسعى جاهدة التقاط  الصور والدلالات والشارات  التي يبثها الآخر ، كون الإنسان مكون من الذات والآخر.

ومن هنا يتأتي إيماني  بمقولة كونفشيوس،”الصورة خير من ألف كلمة”*

وضمن هذا التوصيف يؤكد السلاموني: ” أن 95 بالمئة من بناء الإنسان وتكوينه على أسس علمية ..يأتي عن طريق الصورة ، أي الثقافة البصرية .

والصورة عدة أنواع :1-مرئية ،لا  مرئية ، لفظية ،صوتية .

كما يؤكد هذا العلم أن الكوكب الأرضي صورة ،والكواكب الأخرى ما هي إلا صورة ،وكل صورة تقوم على الثابت والمتحرك .”-ص12

و الواقع  أن اهتمام السلاموني   بلغة الوجود  ، قاده بشكل مخصوص لأن يمتاح   هذا الفكر  عينه من الفن  اللغوي  /البصري على الرغم  من أنَّ اللغة أداة تفكير وتعبير وتواصل وتوصيل فهي تفترض الوجود مع الآخر، لكنها قد تقود إلى مزالق وانحرافات التفكير عن نسقية المنطق  العقلاني والأخلاقي.

الانفجار الكبير :

غير أن الأمر برأي عميد كلية اللغات والترجمة (د. حسين محمود ) ليس كذلك  تحديدا، فالنص يطرح علينا أبجدية جديدة لهذه الثقافة البصرية  التي يريد محو أميتها  منا ،وهو ما يذهب بالتفكير على الفور إلى أنه بصدد اختراع لغة “.وهذه حقيقة سيميوطيقا خاصة بالسلاموني ، يطرح من خلالها  نظام علامات  جديد ينطلق من العين  ويشكل لغة إذا اكتملت  انطلق الانفجار الكبير طبقا لتعبيره ، والانفجار الكبير هو المعروف علميا بأنه في أصل نشأة الكون.”

الفاعلية الذهنية :

ويدفع الانفجار الكبير بالسؤال  ليشكل انعطافاً باتجاه صحة التفكير عن رغبة المرء في توثيق الفهم ورفع مستواه ،إذ يوقظ الفاعلية الذهنية ، فلا تركن إلى يقين يعطل  فاعلية العقل  فيتمرد على السكون والثبات .

فوضى الحواس :

وهذا  يقود إلى  انفجارات متعددة تقود إلى أسئلة تتناسل  من بعضها البعض ،هل يستطيع الإنسان ، بصورة ما ،أن يجد له مفراً من  الضلالات التي قد تقود إليها اللغة المراوغة أو تصنعها فوضى الحواس  أمام  نجوم السيميو طيقا ،وسيل المعلومات العنكبوتي الجارف  وسيف التكفير المرعب؟

و (السميوطيقا) علم يدرس أنساق العلامات والأدلة والرموز، سواء أكانت طبيعية أم صناعية. وتُعدّ اللسانيات جزءا من السيميائيات التي تدرس العلامات أو الأدلة اللغوية وغير اللغوية، فالسيميولوجيا أي (علم العلامات) من العلوم التي تغلغلت في جميع المجالات الإنسانية،  وإنْ كان المفكرون العرب يعتبرون الفضل لكل من (فرناند دي سوسير) و (تشارلز بيرس) ، إلا أننا نذكّر  من  قد خانته الذاكرة ، ابن رشيق قد عبّر عن قيمة الصورة البصرية بقوله «أبلغ الوصف ما قلب السمع بصراً».

بين الرغبة والحقيقة:

هل أراد تمثيل  نوع من اللغة  البصرية /الرمزية  بين الرغبة والحقيقة ؟

رغم انفراد الصورة بمجموعة من الخصائص التي تجعلها تدخل طبيعيا ضمن الحقول التطبيقية للسيميولوجيا البصرية، فإنها لا تشكل حسب  “السلاموني “امبراطورية مستقلة، أي عالما منغلقا لا يقيم أدنى تواصل مع ما يحيط به. إن الصور -مثل الكلمات ومثل كل ما تبقى من الأشياء- لم يكن في إمكانها أن تتجنب “الارتماء” في لعبة المعنى، أو في ألف حركة تأتي لتعالج الدلالة في قلب المجتمعات بمعنى إن سيميولوجيا الصورة لا تصنع نفسها خارج سيميولوجيا عامة”.

ومن هنا يمكن أن نقول  تنساب ممحاة الأميَّة البصريّة  في نظرية السلاموني، لتمارس دور البطانة الثابتة متراكبة الطبقات متعاقبة الدرجات، ليأتي الوسم الذي يضيء البحث ، بارتعاشات خطية متوازية متراصفة متماوجة، تستحضر  آلهة الماء في اختيال النيل، وتبتعث عبقرية الفن المصري القديم الحديث لمفهوم الماء في التصاوير الفرعونية؛ ذلك الشكل الهرمي الذي يجيد “السلاموني” توظيفه كحضور بصري ملمسي وزخرفي وتكويني في آن؛ وهكذا تتم مخاطبة  الآخر بلغة  باطنية  قائمة الفعل الحدسي  والشعور  لتوصيل رسالتها البصرية  والجمالية .

إن تأمل نظرية السلاموني  يولد الاستفزاز  بقدر ما يولد الأسئلة،  وما يصلنا هو خيط من شفق التجريب والبحث المتواصلين تطويع الخيال العقلي وترويضه ،تحيله إلى أبجدية  تؤلف الأشخاص  وتحيلهم إلى أشكال بإيحاءات لا تنتهي ،في قراءة لا تنتهي ، ستظل متواصلة  حتى آخر ممحاة  في خيال السلاموني  مع إصراره على البقاء دائراً ، بحثاً عن طرائد خيالية  للصور والمشاهد ، غوصا في لغة المادة  وعتماتها ، رافضا الوصول  على أي محطة .

خلاصة القول :لا يزال الفكر البشري يطرح أسئلته ، وسيل الاكتشافات  والأجوبة لا يتوقف  فالحياة مستمرة  وفي حركة صراع مع نفسها  مستمرة ،وفي كل لحظة  يندفع الخيال العقلي  لفتح الأبواب المغلقة  للبحث في المجهول ،وكلما فتح باب  فإن ثمة  أبواب موصدة  تتحدى  وتفرض بحثا  متواصلاً وتطهيراً مستمراُ للذاكرة .

وعليه لا يمكن أن نصل إلى نتيجة ثابتة،  لكن يجب أن نعترف ،أنَّ سعدني السلاموني شاعر ، عالم ، باحثٌ ، فنان يراوغ  اللون، الموت ، يضلله ، ويمحوه  ويدفع به دوماً إلى الهوامش، محافظاً على قوة الحياة  الكامنة في خيال وطفولة الروح و العقل والجسد  والوجدان واللسان   الذي يواصل إبداعه  على طريق مَحْو الأميَّة البصرية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ريجيس دوبري(1)= – Régis Debray : Vie et mort de l’image, éd Folio , 1992, p 15 ، قام فريد الزاهي بترجمة هذا الكتاب إلى العربية، وصدر عن إفريقيا الشرق، 2002.

*= قدور عبد الله ثاني: سيميائية الصورة، ص:119.



أحدث المقالات