ايمان الزيات تكتب /قراءة في المجموعة القصصية فأوحى لها للقاصة دعاء أحمد شكري / مجلة ( مبدعو مصر )

 

 تؤشر لنا القاصة دعاء أحمد شكرى من العنوان/عتبة الولوج الأولى لمجموعتها القصصية (فأوحى لها) على فكرة أن الكتابة وحي ورسالة وأن الإبداع هو الوسيلة المثلى لتبليغ تلك الرسالة أو الرسائل الإنسانية والأخلاقية والروحانية السامية، وأن القصص الواردة بتلك المجموعة كانت من وحي شخص أو موقف أو فكرة أو مبدأ تعتنقه الكاتبة ذاتها. ثم يأتي الإهداء في شكل همسة لكل روح طيبة تؤرق بأوجاع الآخرين، وإلى كل قاريء يستجيب لرجاء أحلامها الإيجابية ويحققها ليعم الخير. تميزت المجموعة بالحوارية المتنوعة التى تحدث عنها المنظر الروسي (ميخائيل باختين) (بين السرد المتصل، والحوار، والمنولوج الذاتي)، أجادت القاصة أسلوب المحاكاة الذي لا يكتفي بنقل الحدث كما هو وإنما يصدره للقاريء محملاً ومشحوناً بالمرسلات النفسية والإنفعالية للشخصيات (كالحزن، والألم، الحب، الغضب …الخ) كما برزت اللغة النوعية التى تمثل طبيعة وسن وجنس كل شخصية من شخصيات المجموعة كلغة الطفلة التى تتسم بالبساطة والبراءة، ولغة الأب التى تتسم بالسلطوية، ولغة المرأة الرومانسية الحالمة، الجارة الثرثارة. احتلت اللغة مستوى وسطاً بين مختلف الاتجاهات عن طريق تواتر مجموعة من المفردات والجمل المتداولة بكثرة في الحياة اليومية والتى جعلتها موجهة لجميع القراء على حد سواء. راوحت القاصة بين الواقعية والعجائبية في قصصها التى تباينت في الطول والاكتناز والتكثيف. تميزت المجموعة بعتبات التناص القرآني كما في(الآية القرآنية ص 48 من قصة فأوحي لها ، (قد ثياب الواقع من دبر) متناصة فيها مع (وقدت قميصه من دبر)، تماهي قصة (دراكولا) مع الآية القرآنية بسورة الحجرات:(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً)، والمفردات الدينية مثل(الروح ،ملكوت ، خشوع، السماء، الزكاة، حبنا لرب الكون فلم سوء الظنون….الخ)، وبعض عتبات التناص الغنائي كما في قصة (المجهول) مع أغنيات عبد الحليم حافظ. ولو أردنا أن نتتبع دالة بعينها تتكر في قصص المجموعة لتتبعنا دالة (الصوت) فغالباً ما يكون هناك صوت خفي يحادث البطل أو البطلة قد يمثل الضمير أو الذات أو المخاوف أو المجهول. الضمائر في مجموعة (فأوحى لها) : السرد بضمير المتكلم: بمجرد مصادفة ضمير (المتكلم) في السرد تتولد روحاً فعالة ما بين القارىء والحدث المسرود وهذا ما حدث بالفعل في نصوص المجموعة التى اعتمدت ضمير المتكلم وذلك لما فيه من حميمية وبساطة، وقدرة على تعرية النفس من داخلها عبر خارجها، وغيابه قد يحدث ربكة للقارىء غير المستنير حيث يظن أن الحكاية تأتي دون وسيط. إن تواجد مثل هذا النمط السردي يجعل (الأنا) مجسداً لما يطلق عليه (الرؤية بالمصاحبة) في عرض الأحداث ونقلها للمتلقي، وذلك بحكم وجود السارد كشخصية في النص. يتمير ضمير (المتكلم) أيضاً بقدرته الفائقة على القيام بعملية (الارتداد) الزمني أو العودة الوراء لحكي معطيات الماضي؛ أي أن لديه ميزة وضع بعد زمني بين زمن الحكي والزمن الحقيقي للسرد، فهو يسوق الحكي للخلف من زمن السرد الآني إلى زمن وقوع الأحداث بالفعل. السرد بضمير الغائب: ((سيد الضمائر السردية على الاطلاق)) أتاح استخدام ضمير الغائب (هو – هي) إمكانية التعبير بحرية وبث الأفكار، وإبداء الرأي، وإصدار الأحكام دون إلصاقها بالذات الساردة للقاصة، وله محاسن عدة من بينها ما يلي: 1. أنه كان وسيلة صالحة توارت خلفها الساردة، لتمرر ماتشاء من أفكار وآراء دون أن يكون تدخلها صارخاً أو مباشراً. 2. وجود السرد بضمير الغائب جنبها السقوط في فخ (الأنا)، الذي يجرُّ سوء الفهم في العمل السردي. 3. اصطناع ضمير الغائب ساعد على فصل زمن الحكاية عن زمن الحكي من الوجهة الظاهرة على الأقل وذلك لأنه يرتبط بالفعل السردي (كان) أي أنه يدفع الحكي إلى الأمام، ولكن انطلاقاً من الماضي، وهي تقنية متناقضة لتلك التى تنتج عن اصطناع ضمير (المتكلم). وبصفة عامة فإن استخدام أكثر من ضمير في المجموعة القصصية الواحدة خلق روحاً من الرشاقة والمؤانسة وساعد في تبديل مواقع القراء من الذات إلى الآخر كأن يعيش القارىء الحالة كأنه يمر بها أو كأنه يرى الآخرين يمرون بها. التعددية في الأطروحات: شهدت المجموعة القصصية (فأوحى لها) تعدداً في الأطروحات الفكرية؛ مما جعلها نصوصَ أطروحةٍ بامتياز، ولكنها أطروحة حوارية وديمقراطية قائمة على الأفكار المتعددة، والمواقف الجدلية، واختلاف وجهات النظر، وتباين المنظورات الإيديولوجية. لذا فقصص المجموعة هي جماع الأفكار المتعارضة بقوة؛ حيث تتصارع وتتناقض جدلياً، ومن هنا فالمهم ليس هو الأبطال أو الشخصيات بل المهم الأفكار التي تتقابل وتتآلف وتتعارض مع موقف الكاتبة أو السارد الرئيس. وعليه تتمتع الفكرة بحياتها المستقلة داخل وعي البطل: إن الذي يحيا، بصورة خاصة، لا البطل، بل الفكرة، والكاتبة هنا تقدم وصفاً لا لحياة البطل، بل وصفاً لحياة الفكرة فيه. وتنحصر مآخذي على هذا العمل القصصي في جنوح القاصة للروح (الطوباوية/ المثالية) التى حلقت بعيداً عن الواقعية لتحقيق مجموعة أحلام ومثل عليا، وهنا أهمس في أذنها قائلة: أن الغاية مهما كانت نبيلة فإنها أبداً لا تبرر الوسيلة فلكي تحقق أمراً عظيماً كهذا لابد وأن تبحث له عن وسائل تعبير عظيمة توازيه، والعظمة ليست في التحليق بالخيال بقدر ما تكمن في رصد الواقع ومحاولة معالجته بطريقة منطقية يقبلها العقل. كما أن تلك الروح المثالية عملت على شيوع اللغة الشاعرية المحملة بالكثير من الصور والتراكيب البلاغية والتخييل مما شكل عبأً على كاهل النص السردي وعملق الشكل في مقابل المضمون فغاب القاريء كثيرا في تخيل الصور مما عطل عقله عن تتبع الفكرة التى هي عمود الحكي الفقري. النهايات في الغالب جاءت كلحظات التنوير التى ينتصر فيها الحب والعدل والخير، وكبارقة أمل على أن القادم ربما يكون أجمل. وأخيرا أتمنى للقاصة الرائعة دعاء أحمد شكري كل الألق والنجاح وفي انتظار اكتمال الدهشة بروعاتها القصصية التالية. إيمان الزيات



أحدث المقالات