محمود الطهطاوى يكتب /جمالية البساطة في ديوان ” أحزان كتير للبيع ” للشاعرة همت مصطفى / مجلة ( مبدعو مصر )

 

قراءة : محمود رمضان الطهطاوي

في ديوانها الأول ” أحزان كتير للبيع ” الصادر عن دار العماد للنشر والتوزيع ومن خلال ” 20 ” قصيدة ، مجمل الديوان .. تؤسس الشاعرة لحضورها الشعري وسط هذا الزخم من الشعر متخذه من البساطة أسلوبا لشعرنة القصيدة ، تحاول اقتناص العادي واليومي لتجسده في صورة شعرية متخمة بالرومانسية الخالية من أي تعقيد ،وإن كان كثير من قصائد الديوان ينسج صورة رامزة شفيفة .

بداءة نلاحظ أن العنوان الذي يطل على غلاف الديوان .. لا توجد قصيدة تحمل نفس الاسم ، وهو مجرد سطر شعري في قصيدة ..

فلماذا اختارت الشاعرة هذا العنوان ليكون البوابة/ المدخل بكل ما يحمله من دلالة رامزة ،ولكن المطالع للديوان سيكتشف إن هذا الكم الـ ” كتير ” على حد تعبير العنوان ، مجرد قطفة ذائبة في مشاعر إنسانية راقية تلج في عمق المحبة .. وتغطي على كل الأحزان .. فمفردة حزن بمشتاقتها وردت في الديوان “13” مرة ، في مقابل الفرح ” 9″ مرات ، ولكن هناك القلب يتفوق فمفردته بمشتقاتها وردت “49” مرة ، في حين الحب والحبيب بمشتقاتهما وردت ” 32″ مرة، تلاها مفردة روح بمشتقاتها ” 18″ مرة ، ثم مفردة شوق بمشتقاتها ” 11″ مرة ، ثم ” حلم “10” مرات ، وفرح ” 9″ مرات ، وعشق ” 6″ مرات .

ولاشك إن لتكرار هذه المفردات دلالة ، فنجد الحزن يذوب في القلب وبين ثنايا الروح ويتبخر ولا يبقى إلا هذا الحب الشفيف من شد وجذب ولقاء وفراق..

ترسم الشاعرة تلك الحالة الشعورية المتوهجة بعنائية عذبة تعزف على أوتار الحب بمهارة وخفة ظل .

وتبرز جمالية البساطة التي تغزو السطر الشعري لتخرج لنا قصيدة شفافة متوهجة برومانسية عذبة ترسمها الشاعرة بمهارة، فيتحول العادي إلى شعري يلج القلب ، ويداعب الروح ويحقق الدهشة التي يصنعها الشعر عندما يخطف الكلام العادي ويصهره في بوتقة الشعر .

كما تقول في مدخل قصيدة ” مش كنت تقول” :

“وعليك بسمة

كانت تفتح باب الجنة

وأما تهزر

تكبر حبة

تصبح  ضحكة

تزن الرنة ”

صورة تبزر جمالية البساطة ، فقد استطاعت الشاعرة نسج صورة رائعة شفيفة من مفردات بسيطة .

ونلحظ ذلك جليا في قصيدة ” ازاي اكمل ” ذات البناء الرباعي .. التي نجحت في طرح مجموعة من الأسئلة بخفة ظل تتميز بها الشاعرة ، فتسأل :

” طب لما في لليلة اشعر بالبرد

وانده ما يجيش من عندك رد

القلب يكو عاوز يدفا

إزاي يستحمل منك صدد ”

وبين ” طب ” المدخل ” صد ” قفلة المقطع الرباعي تمرح الشاعرة بفنية وخفة ظل في رسم صورة شعرية رائعة وتقطر عذوبة مخضبة بالجمال والبساطة المحببة .

وتواصل الصورة رحلة جمالية المشهد كما في قصيدة ” تفسير ” عندا تؤكد الشاعرة قائلة :

” إنتَ لشجرة روحي السقَّا

اللي بتسقي جذورها محبة

واما بتطرح تطرح حبة

تغذي القلب نعومة ورقة ”

هذه الصورة الغنائية الرامزة تحمل هذه الجمالية البسيطة التي تسعى الشاعرة بوعي أو بدون لـتأصليها لتثبت حضورها الشعري وبصمتها في المشهد .

وفي قصيدة ” لحظا لقى ” تؤكد الشاعرة بأنها ماهرة في حبكة الحدوتة الشهرية، وتصنع لها النهايات المتخمة بالجمال ، والرمز الشفيف عندما تقول في نهاية القصيدة :

” والشوق له ألف علامة

لكن لو مرة اتقابلوا

ماتقوم للدنيا قيامة ”

وتواصل هذا العزف الرائع في قصيدة ” ضمة روح ” التي تتكون من عدة رباعيات ، تقول إحداها  :

“خلاص ارجع بقى وسامح

دا حبي  لك حصان جامح

وصورتك جوا في قلبي

مشاركاني ألم جارح ”

وتواصل جمالية البساطة في قصيدة ” ضلة عمري”

فتقول :

يازهرة ونابتة جوايا

بتقسم فرحي وأسايا

وشالت عني أحزاني

يا أملي وفرحي ومنايا ”

المـتأمل تلك المقاطع سيلاحظ تلم المفردة البسيطة التي تتشكل منها الصورة الشعرية التي تحقق الشعرنة بجمالية محببة بعيدة عن التهويم وإن كانت تركز رمزا شفيفا تطرحه الشاعرة ببساطة ممنهجة تسعى لـتأسيس روح القصيدة على البسيط المعيش بعيدا عن التقريرية التي تقتل روح الشعر .

الديوان عامر بالصور ، متخم بالجمالية البسيطة التي تنهل منها الشاعرة لتؤسس لقصيدتها في أول ديوان لها بكل ما يحمله من زخم وخفة ظل ، ورؤى فلسفية تطرحها الشاعرة بمهارة كتلك القصيدة المازحة في شكلها العميقة في جوهرها المعنونة ” مشهد من قسم الجمالية ” التي تحاول فيها الشاعرة الانتصار للجمال والصدق والمحبة أصل الحياة ،وكأنها ترسل رسالة كونية بالعودة إلى الطبيعة الإنسانية .

ما طرحناه هنا مجرد إطلالة قصيرة في ديوان باذخ بالجمال، ويحتاج للكثير من الوقفات والطلات والرؤى بما يحمله من زخم إنساني ، وبساطة تنحاز للجمال والمحبة والحياة .

 

 



أحدث المقالات