الشاعرة رحمة بن مدربل تنتهي من تجهيز ديوانها الجديد(( همس بين غيمتين)) مجلة (مبدعو مصر )

 

 

كتب إبراهيم موسى النحّاس:

انتهت الشاعرة والإعلامية الجزائرية رحمة بن مدربل من تجهيز ديوانها الشعريّ الجديد وعنوانه(( همس بين غيمتين)), الديوان يقع في مائة صفحة من القطع المتوسط ويحمل بين جانبيه أكثر من أربعين قصيدة شعرية تحمل رؤية الشاعرة تجاه قضايا الذات والواقع المحيط بها, في قصيدة نثرية ترفع لواء التجديد وتأبي الاستسهال الناجم عن تقليد نماذج شعرية سابقة عليها, وأوَّل ما يلفت انتباهنا هو اعتداد الشاعرة في الديوان بثلاثة عناصر هي ” الذات, و الزمان, و المكان” , فبالنسبة للزمان و المكان نجد حرص الشاعرة على تزييل كل قصيدة بما يشبه الهامش الذي توضِّح فيه تاريخ و مكان كتابة القصيدة, وبالنسبة للتركيز على الذات نجد حضورها القوي منذ الغلاف حتى آخر قصيدة, ففي الغلاف وضعت عنوانًا صغيرًا أسفل العنوان الرئيس للديوان ( حديث الأنا ) كما جعلت اسم الشاعرة أعلى الغلاف فوق عنوان الديوان مِمَّا يؤكد هذا الاعتداد القوي بالذات, و إذا انتقلنا من الغلاف إلى المتن نجد الحضور القويّ للذات حتى في المواقف الصعبة فالانتظار يجبرها على الحديث مع نفسها, والصور يتم التقاطها سِلفي- أي مع نفسها فقط – وحتى الغيوم لا تمطر بل تأخذ ماءها من دموع الذات, فتقول في قصيدة”أتذوّق غيمة لونها أزرق عيناها حالمتان وقلبها يغرق”:

((بالقلبِ هوَّةجُرمٌ سديميٌّ سحيق 
“مُثلَّثُ بارمودا يمتصُّ الحُزنَ الرَقيق !
بالقلبِ وجعٌ عميقٌ… أخفيهِ بالقهقهة
بأحمرِ شفاهٍ غامقٍ 
بهالةٍ زرقاءَ مُضرَّجةٍ بالحنين
بالبحرِ الذي أحمِلُهُ على ظَهري 
بالرَّكضِ في أحلامي على شطِّ ” كيتانِي” 
بالرقصِ سهواً عندما أنام غرقاً في برِكة الصمتِ 
بالجلوسِ في محطَّة القطار ألتقط “سالفي” لوحدي 
بينما يتأخر القطار  يُجبِرُني الانتظار على الحديثِ مع نفسِي 
الغيمة الآن… ترضَعُ من عيني الدمع

 ثمَّ تهطُل، تهطل و أنا … عندها أنتشي )).

          وفي قصيدة ” ذاكرة الأماكن ” ص 7-8 تمزج الشاعرة بين الاعتداد بالذات والاعتداد بالمكان مع الزمان من خلال شيء من النوستالجيا و الحنين للذكريات في مواجهة الواقع الآني, فتقول:
((الأماكنُ لها ذاكرِةٌ
الشجرُ له أنين 
الماء ينبِضُ بالحنين 
السّواقي العميقة تغرَقُ في تُهمة العطَش 
الباب يحنُّ إلى يدٍ تجذبُه 
العقيق يشتاقُ عُنقَ الصَبايا 
المشانِقُ تبكِي في المَساء 
ثوبي يشتاقُ عُريَهْ
و مُمكِنِي يتطلَّعُ إلى مُستحِيلِهْ 
أصابعي تُحُرق اللَّونَ 
مُجُونِي يشتاقُ عِفَّتَه 
 الأكوابُ السبعة التي صَففتُها فوقَ موائدِ الصحْو 
سيملأها اللَّيلُ بالسُكْر ثمَّ يختفي 
الجماداتُ تَذْكُرنا… 
معَ أننا لم نكُن أصلاً 
الجَماداتُ تحمِلُ ذاكرةً استشرافية 
تتنبأ بالأخطاء و تُصحِحها بأن تمحُوها 
لذلك لم نلتقِ … 
لذلكَ لم نكُنْ 
لذلك ذكرياتُنا لم تأتي بعد ((… !

       و على المستوى الفنيّ تتعامل الشاعرة مع قصيدة النثر باعتبارها قصيدة ذات فلسفة خاصة في توظيف الشاعر للمعجم الشعري والخيال, فليست قصيدة النثر قضية شكل يتنازل عن التفعيلة أو الوزن العروضيّ فقط, من هنا كان تعاملها الخاص مع الصورة الشعرية التي تجاوزت شكل المجاز بمفهومه القديم فلا يعتمد على الصورة الشعرية البسيطة القائمة على التشبيه أو الاستعارة, بل تتجاوز الشاعرة كل هذا الفهم للخيال لنراها تقوم بتوظيف الصورة الكُليَّة, معتمدة على التشكيل البصري, وكأنَّها ترسم بريشتها لوحات تشكيلية, ولعل لهذا مرجعية من حياة الشاعرة – كما يرى لوسيان جولدمان في نظريته البنيوية التوليدية- فالشاعرة لديها موهبة الرسم إضافة إلى كتابة القصيدة, ولنقرأ معًا ذلك الشاهد على التوظيف البصري والصورة الكليَّة في قصيدتها” اشتهيتُ وِحْدةً ” حيث تقول في ص 44:

((وجههُ ذاكَ الصباحُ عديمُ الملامحِ

رسمتُ على واجهتهِ

عينينِ جاحظتين ،فماً كبيراً مزمُوماً

لا يُصدرُ سوى الأنين

بنفسِ القلمِ خَططتُ على السماءِ أغنيةً ناشزةً

لحنُها يُتعبُ السمعَ لا نوتةَ تقدِرُ أن تجعلهُ مسموعًا

مسْمومٌ ذلكَ اللَّحنُ الذي يُغنيه قلبِي

مسْمومٌ ترياقُ حبِّي للحياة

الحياةُ ياه ما الحياة إلاَّ قلبانِ يتداخلانِ

 يتماهيانِ… يشتهيانِ الوحدةَ )).

          ولسَعْي الشاعرة نحو التجريب مع ثقافتها الواسعة كما تعكس ذلك قصائد الديوان نجدها تعتمد على كسر أفق التوقُّع لدى القارئ العادي – بمفهوم نظرية التلقّي – و تقوم بالتصريح بهذا مع توظيف الصورة الجديدة المبتكرة وغير المنطقية أو الّلا عقليّة  مع لغة السؤال الذي يعكس قلق الذات, كل هذا التكثيف الفني اجتمع في مقطع واحد في قصيدة( دِرع ” منيرفا ” وقلبي المُتحجِّر ), حيث تقول في ص 61:

((مَللتُ أنا التَوَقّعَ… دَعنِي أمشِي

دَعنِي أُغنِّي…

حتى الألحانُ الشّجيّة صَارَت مُوحِشَةً

أتبَعُ الكلمةَ الفَاسِدَةَ

لا تحتَمُل الحقيقةَ

كاذبةٌ … سَاقطةٌ

الوَحلُ آمنٌ و قَلبِي سَيَتَمرَّغُ به

أُريدُ الآنَ …

أُريدُ النَومَ في حُضنِ السَّرَاب

و تَقبِيلَ المَعتوهِ الذي في قَلبِـي

أريدُ كذلكَ أن أرسُمَ دائرةً مُربَّعَةً

مُثلّثاً مُستطيلاً …

من يمنعُنِـي ؟))

        من هنا فنحن أمام ديوان ثري على المستوى الفنيّ, تأبَى كاتبته الاستسهال أو تقليد تجارب سابقة عليها, لتنطلق بقوة في كتابة قصيدة النثر بفلسفة خاصة في التعامل مع الصورة الشعرية و الخيال, و مستفيدة من فنون التشكيل البصريّ مثل الرسم داخل القصيدة, و من المتوقّع أن نجد الديوان بين أيدينا قريبًا في مصر و الجزائر , ليعلن بقوة عن شاعرة مجدِّدة تحجز لنفسها مكانًا مميَّزًا على خارطة قصيدة النثر العربية.

 

 

       



أحدث المقالات