السرد المخاتل للأديب الاردني د.رفعات راجي الزغول في مجموعته القصصية ” لم أمت ..ولست على قيد الحياة ”  قراءة : الشاعرة د. أحلام غانم


مدخل
تنسلُّ القّصة القصيرة “من كلِّ محاولةٍ تعتقلُها في تخمٍ تعريفيٍّ “(1), فهي سليل السرد المخاتل, وثعلبه المراوغ الذي يندلق على خطوط المثلث الممتدّ بين الشعريّ والروائيّ والدراميّ.”
” لم أمت ..ولست على قيد الحياة ”
دلالات هلامية
حينما ندرك أن الثقافة هي عملية تأهيل أو تنمية (للنواحي الفكرية والجمالية ) يبدو لنا عنوان المجموعة القصصية للأديب الأردني الدكتور رفعات “راجي الزغول ” لا يحتمل اليقين بوصفه عنواناً تعددياً قابلاً للتأويل والانفتاح على دلالات هلامية متعددة ،ويحتمل الاحتمال أن ثمة جرح إنساني مختبئ بين ثنايا العنوان يجعل الكاتب يعيش رحلة بحث عن توأم الروح على طريقة تمنح له أبعاده الإنسانية التي تحقق له الطهر والنقاء والحضور والغياب ويفصح عن تقابل دلالي بين “الموت والحياة “.
والعنوان كما عرفه «لوي هويك» (Loe Hoek): “مجموعة العلامات اللسانية، من كلمات وجمل، وحتى نصوص، قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتُعيّنه، تشير لمحتواه الكلي ولتجذب جمهوره المستهدف.”(*)
تخضع البنية العنوانية في تشكيلها اللغوي والتركيبي لوعي القاص؛ اللغوي والنحوي وإدراكه العميق لأسرار المفردة وقيمتها التعبيرية في الحذف والتنكير والإسناد؛ وقدرته على ضخها بكثافة تعبيرية تناسب القضية التي يؤمن بها.
رسالة لغوية
وتجدر الإشارة أن هذا العنوان عتبة لنص من بين نصوص المجموعة وقد نجد عنوان المجموعة عبارة عن رسالة لغوية تعرّف بهوية النص و ودلالات تيمته وامتداداتها في محتويات باقي عناوين النصوص ،حيث الصور تختزن احتدام الدلالات وأبعادها، صور تفرض نفسها لأنها تتلمس الحسي والملموس في بنائها.
إنّك مع مجموعة ذات حضور في النّفس و الذّاكرة ذلك أنّ اختيار الأديب عنوانا متميزاً لمجموعته (لم أمت ..ولست على قيد الحياة ) ذا الدّلالة الروحية في ظاهرة لا يخفي صدقيّة البوح وإشراقاته النورانيّة في نفس القارئ..
طريق الآلام
الذات هي فضاء النّصوص في”لم أمت ..ولست على قيد الحياة) إنّها مسرح الأحداث والحكايا. وهي الخلفيّة لكلّ ما يجري ويحدث في طريق الآلام، إنّها تمثل صورة مصغرة للعالم الواقعي بحيث يترجم ما يقع داخل الحضن الذي ترعرع فيه الكاتب وعرف أولى خطواته وأفراحه وأشجانه. إنّها “النصف الآخر والحقوق ،و هي الثقافة الموروثة من القرية حاول الكاتب أن يمسحها من تلافيف دماغه ..هنا تمتح الذاكرة أدواتها لترسم لوحة من الحياة البسيطة والقلوب الساكنة بين أصابع الشّمس ورموش المدن الحالمة الحالمة بالفجر .
تشير العناوين الفرعية للمجموعة القصصية إلى دورات الحياة المتنوعة بأفراحها وأحزانها، ومسراتها ومعاناتها، وتقلبات الحالة النفسية والاجتماعية بالإنسان السوي، وغير السوي، ولكنها في كل الحالات تشير إلى شخصيات متطورة ومتحولة تنتقل من حال إلى حال، ومن سلوك إلى آخر.
لغة الكشف
يستفز القارئ في قصصه العمل في اللغة، خصوصا فيما يتعلق بالتلوين الأسلوبي الماتع، إذا استعمل الكاتب لغة لا تخلو في أدبيتها وتلاعب لفظي حريف، مثل التحريف الصوتي لبعض الكلمات مثل (زليغم )والانتقال العفوي بين الضمائر وإفراغ المدلولات من محتوياتها المألوفة، والكتابة داخل الكتابة فينسحب عليها كلام “إن القصة القصيرة هي لغة الكشف، هذا الكشف هو اللغة، لأنك تحلل اللغة وفي الأخير تنكسر وينكشف لك المعنى.”
المفارقة
فقد تمكن السارد من تكوين رؤية سردية لعالم متعدد المواضيع والأحداث ، من خلال ملاحظته وتتبعه وترصده ، فكان منظاره مرتبطاً بالمجتمع وقضاياه المتعددة وما يحتويه من ظواهر متباينة و صور لطوابير ممن يطلبون تأشيرة العبور إلى المجد والغنى من أوسع أبوابه .. وتبدو المفارقة هنا بين الإشارة و”التأشيرة ” والهدف منها هو إشراك القارئ بمتعة نفسية وفكرية ، والدفع به إلى التفاعل أكثر مع مضمون القصة ..والواقع الذي يعيشه الآن العالم العربي.

أسئلةٍ مضمرةٍ
قد بدا د. “رفعات راجي الزغول ” السرد بقصة (حمدة ) والتي تحمل قضية إنسانية كبرى هي قضية المرأة ، يرصد لنا حالة متكررة ،ومن خلالها يتأمل كُنه البعد الوجودي للمرأة ، ويشجب شتى أنواع الانتهاكات التي تتعرض لها. أو كأنَّه يجيب عن أسئلةٍ مضمرةٍ، ربّما الأجوبة ستكون مختلفة لكنها متقاربة في الهدف والرؤية ..
لذلك يفترض السارد أن المتلقي يثيرها عبر مجموعته القصصية ويسائل مجموعة حقائق ومفاهيم اكتسبت على مر التاريخ صبغة القداسة، ناقدا أساسها الميتافزيقي ومعرياً عباءتها الدينية، ومبتعدا عن كل إجابة مريحة تخدع العقل بثقتها المزيفة بذاتها.. محاولاً استمالة المتلقي وجعله شريكًا أساسيًا في توليد النتائج ضمن هذه المفارقة المقصودة بين زمن مضى وزمن نعيشه ولا يمكن لعالم الغيب حصر الفساد فيه ،وهو ما عبّر عنه تساؤله:
من هم المفسدون الفاسدون ،وهل الفساد حقيقة أم هو ذر الرماد في العيون ؟
تحاول كلماته قبل أسئلته التسرب والتوغل عميقاً في ذات المتلقي والتأثير فيه ، من خلال قوله : ( ليتك تعلم يا ولدي أني سعيت لتوفير السعادة لك ،،وأن كل ما بذلته لك من سخاء بذلت في سبيله شيئاً من أعصابي ودمي ، وليتك تعلم أني من أجلك قاومت الأنذال بصبر الجبابرة ، وتسامى الأنبياء ، لتصل إلى ما وصلت إليه بطريق معبد أفهذه هي المكافأة !!!”)ص-21
مظاهر الصراع
اختار السارد الحوار كطريقة من طرائق التعبير والحوار يتميز بالسمة المشهدية التي تعبر عن مظاهر الصراع اللغوي والفكري مع تجسيد اختلاف وجهات النظر بين تعاقب الأجيال فيعود إليه الجواب سؤالاً :كيف يمكن ذر الرماد في العيون و الحقيقة كلها تشبه الرماد و أغلب العيون مصابة بالعماء على كل الأصعدة؟

المجموعة تقوم على التأمل والاستغراق في أفكار كبيرة، محورها الذات والوجود ورصد الواقع الذي يمور “بثقيل الظل ” و”جمع الوثائق” واللا جدوى..
متعة خاصة
إن اقتحام عالم الأديب د.رفعات راجي الزغول ليس بالأمر السهل أو المريح، ولكنه مع ذلك يخلق لموته متعة خاصة ويضع قارئه على قيده السهل الممتنع من الحياة .. لكن من هو الأسرع بالقبض على الشعاع الخاطف واللحظة العابرة في ليلة هادئة ..؟
الحنين والانتماء
حضور المكان في المجموعة قائم بقوة : القرية -البيت – المدينة /موسكو- الطريق – مكان العمل أو الدراسة أو المستشفى … والمكان يمثل منبعا الحب أو الرفض، وهو رمز الحنين والانتماء،و مفجر الأحاسيس الكامنة .
ففي قصة “مريض الطوارئ” نرى البطل/المريض/ يحدّث نفسه ،كإنسان أصابه الهذيان، او كمريض يطرد آخر أنفاس المخدر من جسده عقب عملية جراحية مما يدفعه إلى القول :”
أيقنت أن الأزمة في مؤسساتنا الصحية هي أزمة ضمير ،وإدارة ،فهل من مخلص لنا ؟ص-82
الذات والآخر
غير أن الكاتب رفعات راجي الزغول لم يبتر الوجع، ولكنه يركب مركب هذه المخاطرة، ويتسلح بثقافة معرفية واسعة ومتنوعة، ليعيد قراءة الوقائع والسياقات القديمة والحديثة، بما يكشف الحقيقة المغيبة.. مع هذا يحضر محاصرا بمجموعة من الأسئلة، تعلن انغلاق الذاكرة على نفسها.
في حين، يضيق الكلام، ويفجر صورا، تحيط بمشاكل الذات والآخر وإن كانت متقطعة، فإنها توافينا بجواب عن سؤال السارد وترقى لكي تسائل الاجتماعي والسياسي في نبرة لم تمل ولم تكل من مقارعة الظلام .
تمزق الذاكرة
يفتح ثقوبا تتيح للماضي أن يتسرب ليبسط أمام القارئ أحداثه و أناه الماضية والحاضرة والعودة إلى الماضي، تكشف لنا عن مدى تمزق الذاكرة و مكابداتها في المستقبل :
“وقال الذي عاش في أم قيس قبل الآلاف من السنين وعلى حجر يبقى على قبره وتقرأ عنه كل الأجيال :(أيها المار من هنا ،كما أنت الآن كنت أنا ..وكما أنا الآن ستكون أنت )”-ص-87
القلق والخوف
تعكس مرآة المجموعة انكسار الأشخاص الذين يقذفهم القدر، كمعلبات منفوخة انتهت صلاحيتها في لحظة من لحظات ضعفهم في معترك الثيران الهائجة المقترنة بالمخاطر والغدر جراء العواصف المادية التي تجتاح الوجود الإنساني و تمثل مصادر القلق والخوف لكافة الناس واسترسل السارد في انسياب المعاناة اللانهائية بقصة “الصديق” :قال صديقي أود أن أحدثكم بأنه كان في قريتنا رجل يكسب قوته من بيع أكفان الموتى ،فما أن يدفن الناس ميتهم حتى يأتي ليلاَ ويفتح القبر ويخرج الميت لينزع عنه الكفن ليبيعه ،..ودعت الشيخ الجليل إلى حيث ثور جديد وحفار قبور من نوع آخر.”ص-20
التلقائية في الأحاسيس
القارئ لهذه المجموعة لا بدّ أن يكتشف الاعتماد على التلقائية في الأحاسيس،و تتجلّى قدرة المؤلّف على إيصال المتلقّي إلى تكوين رؤية فكريّة عن وضع اجتماعيّ غارق بالفقر والحرمان والجهل وضيق الأفق المعرفي باستثناء قلّة من المجتمع خدمتها عديد الظروف، كلّ ذلك كان بأسلوب فنيّ متماسك النّسيج..
وإذا ما تفحصنا البنية المكانية المؤطرة للمادة السردية وجدناها موسومة بالتنوع والاختلاف مندرجة ضمن رؤية فكرية غير مخطط لها تنم عن منظور حضاري للكاتب إزاء عناصر مساهمة في استــثمار الحياة ولسان حاله يقول : “أجلسته على المقعد وحاولت تهدئته ولكن دون جدوى ،جلس طويلاً وهو لا ينفك عن الهذيان، يهذي بكلمات مفهومة وأخرى لا تستطيع لملمة حروفها ، كل ما استطعت أن أفهمه أن حديثه عن اسطول الحرية ،والقتل والاعتقال ،والتحدي ،واليهود )ص-26
فضاء غــير محدود
حاول الكاتب أن يشتغل على تيمات حكائية واسعة داخل نسيجه السردي ، فرسم بذلك فضاء غــير محدود ، وعالماً مليئاً بالمفارقات المتعددة والمتشابكة ، تأخذ حركة التناقض لتنفتح على واقع متعدد الشرائح الاجتماعية ، موجودة في أمكنة متعددة وأزمنة معينة وأخرى مجهولة ..
من خلال استقراء دقيق لقصص المجموعة نجد الكاتب تناول عدة تيمات منتزعة من حياة الناس وصراعهم الأبدي في الواقع الاجتماعي .
خلاصة السرد :ليس ثمة أدب يخلو من الحياة والموت؛ أيا كان ذلك ، ومبدأ الفن لمجرد الفن قول يفتقر إلى الصحة والمصداقية لأنه يجسد كل معاني العبثية والضياع، فهو بذلك يستهدف العبثية والضياع، وهو بهذا المفهوم يصبح فنا هادفا بلا جدال!
وعليه فعنونة المجموعة القصصية تحت ” لم أمت ..ولست على قيد الحياة “كانت موفقة ، بحيث لم يأت العنوان اعتباطياً .. تتميز بتشخيص دقيق للذات الإنسانية وصراعها المرير مع واقع يتردى يوماً بعد يوم ، مما دفعها أن تتناقض مع نفسها ومحيطها وتخرج عن توازنها.. وتكشف عن موت حقيقي يموته وهو حيّ الإنسان العربي ويدفن أحاسيسه في خفاء وصمت ، لكن الكاتب استدرجه وجعله يبوح ، ويفضفض ، ويترك له مساحة للإفصاح والقول ويترك للقارئ فراغات يسكنها القلق والتمرد ..
الأديب د.رفعات راجي الزغول سارد متمكن ومطلع على خبايا القصة القصيرة ، واع بتقنياتها فراهن على جودتها ونكهتها الأدبية المتميزة .. حيث جعل الصورة تتكفل بالمعنى وتهيئ الدلالة لتكون قريبة من القارئ ،عن طريق براعة الاختصار ومهارة التكثيف ، وتبسيط البنية التي خلصها من الزوائد اللغوية والتفاصيل المملة والزخرفة المثقلة ..مما يعزز قولة يوسف إدريس ” القصة القصيرة رصاصة، تصيب الهدف أسرع من أي رواية” وإذ كان الإنسان يُحارُ بالخسوف والكسوف ،ويدهشهُ الزوال ولا يدهشهُ شروق الشمس كل يوم..قد أصابنا بطلقات الحيرة والدهشة الأديب د.رفعات راجي الزغول وتركنا نستقرأ المعنى عبر مجموعته القصصية الموسومة ” لم أمت ..ولست على قيد الحياة” ليصبح المعنى ملكية خاصة لا يمكن الاقتراب منها إلا لمن امتلك تأشيرة دخول إنسانية لنفاذ الذات المبدعة من مسامات الكون لمعانقة المطلق والقبض على مفاتيح الحقيقة لأسرار الوجود الخفية .



أحدث المقالات