كوكب الغزل التونسي”عبد الكريم الخالقي ” يستنبط “للحب ألوان أخرى “.. قراءة :الشاعرة د. أحلام غانم / مجلة ” مبدعو مصر “

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

هل للحب ألوان أخرى؟!
هل يمكن تَعَلّمُ الحب؟ ومهارات الإبداع فيه ؟
بالتأكيد الجواب ليس بالوجه المعروف لأن إدراك اللون يرتبط بشعور معين ويستدعى الذكريات ،ويمنح الفنانون للألوان معان وإشراق، فتتداخل قيمة اللون الظاهرة مع قيمته التمثيلية والانفعالية في العمل الفني،لذلك شغلت الألوان حيّزاً بارزاً من اهتمام الأدباء حيث تم استخدامها في النص الأدبي خدمةً للصور الشعرية والرسالة الكونية.
نقطة الجذب :
إذا كانت القلوبُ أكثر عدداً من نجوم السماء، فإن انتظمت تشكل ألوان الطيف، و القليل منها ، مَنْ بمقدورها أن تَسْري في العروق وتدبّ في الجسد اللون وتنظم الروح كسُبْحَة نبيّ أو تنتصب كقوس قِزْحٍ في السحاب .
وعلى أديم الاستهلال تتحرك رغبة السؤال : هل أصبح الحب هو ثامن المستحيلات ..خليط من لذة نصنعها من غيهب لا نراه ولكننا نحسه يتحرك بين شغاف قلوبنا،أم أنه لا هذا ولا ذاك.. هو وعي تصنعه نبوءة لا تقدرها لحظة واعية ؟
يفضي “باشلار بالهمس إلينا :إن الأمكنة تخلق سحر اللون /القصيدة بحسيتها وربما سقوط الدمعة يزهر بالأجمل ومعها يزهر هاجسي إلى الشعر ومساءلته،هل للشعرية حدا فاصـلا توازي القائم بين مؤشر النبض العشقي ونقطة الجذب أي النقطة المدببة التي تجرح بمفهوم “بارت ” والتي تقدم للمتلقي مفاتيح جديدة لإعادة النظر في طريقة استعراض صور الحب ؟
“للحب ألوان أخرى ”
“للحب ألوان أخرى “عنوان لمجموعة شعرية للشاعر “عبد الكريم الخالقي “صدرت عن دار المبدعين للنشر والتوزيع بتونس، وعلى الرغم من أن هذا العنوان لم يرد كمفتاح لقصيدة بذاتها في الديوان، أو ظهر كمقطعٍ شعريِ من إحدى القصائد، إلا هذه العنونة تشكل عتبةً مشتركةً بين صورة الغلاف و قصائد الديوان.

المعنى المُغيّب
اختيار الشاعر لاسم مجموعته الشعرية بهذا المعنى منحه امتداداً طبيعياً على جغرافيا القلب من الغلاف الى الشغاف مما أكسّب العنوان أهمية المعنى المُغيّب الذي سيقودنا فهم حقيقةَ الحب والالوان الأخرى الماورائي القابعة خلف معنى العنوان.
وأياً ما يكن الفهم في انفتاح الرؤيا أو انغلاقها على عتبة العنوان،الأمر يتطلب النظر بعمق أكثر لمحتواها الكامن في ميدان القلب و للإدراك بمجسات العقل الفروق ، في الأساليب واللغات المستخدمة، ووسائل البناء على المشاعر والحواس، لكن هل علينا أن نتقن ممارسة الحب عبر التعرف على عناصر القوة والضعف والتركيز على الملكة المطبوعة و طرق تفعيلها ؟
سيمائية الحب :
إذا كان الجواب بالإيجاب ، لا بد أن يتحرر الكاتب والقارئ بعيدا عن أقفاص الازمنة الموجعة، وهذا التحرر هو الذي يشكل سيمائية الحب/النص و رحيقا خاصاً يحتفي به العشاق ، ويتنفس النص ألوانه المتعددة، ليلد هذا التوافق بين ما يريد ان يقوله الشاعر، وبين ما يبحث عنه المتلقي.
التوافق الحسي
لأننا عندما نتحدث عن الحب بكل ألوانه ،فإن اللغة هي الأداة الموصلة لمعرفة الألوان الأخرى في الكون والظواهر والأشياء ..وإن الوعي بحقيقة هذه الألوان تكمن في سلامة هذه الحواس التي تنهض بالتوافق مع كثير من الأسئلة التي تدور بخلد العاشق..
وتعد النماذج الشعرية الخاصة بالشاعر التونسي عبد الكريم الخالقي أمثلة حية لهذا النوع من التوافق حيث عبر ت الفصول بين حلم الماجدات وبين عبد خالقي وكريمٍ في الحياة الذي تتركه القصيدة على أرصفة المدن المنسية، فينبعث من جديد مثل غصن في الشتاء ، ليترك بصماته مع أركان الفصول الحقيقية لهذا المداد ،ويتحكم القلب في مسار الألوان لأنها من أهم العناصر المرئية التي تتشكل منها الصور البصرية عند “الخالقي ” وذلك لأنها ” أهم ما يثير البصر ويجذبه “*.
الفاعلية البصرية:
إن وظيفة الألوان في شعر عبد الكريم الخالقي تشبه وظيفتها في الرسم ،وذلك لأنها احتوت دلالات إيحائية حينما وضعها في سياق لغوي ، قد امتلكت فاعلية بصرية خاطب بها الوجدان والشعور ،وامتشقت دلالة في تركيب الجمل الشعرية فأعطت “للحب ألوان أخرى.
هوية الإبداع :
حيث بدت هوية الإبداع الشعري للشاعر عبد الكريم الخالقي في مجموعته الشعرية الموسومة ” للحب ألوان أخرى ” ، ويشدنا هنا باللحظة الشعرية هذا “النوع الشعري الشديد الاهتياج” ،و الذي يَرْنو من العنوان إلى العلامة الدالة على انتمائه إلى دائرة الشعر.
هي تلك الألوان المنزوعة من شرنقة المعنى ، و اللغة الحريرية الشاردة في فضاءات الروح والتي تجسد الصورة اللونية كما تجسد الصور الأخرى من خلال عناصر بلاغية كالتشبيه والاستعارة ،إذ تقوم على إعادة تشكيل الحس الظاهر أما على سبيل المشابهة أو المخالفة بين العناصر البنائية المتباينة **.
لم يكن غريباً أن يبدأ الشاعر مجموعته في البوح أن للحب ألوان أخرى ، وخلال نظرة بانورامية لفهرس المجموعة و في محاولة النفاذ إلى نصوص “الخالقي ” تتعدد المنافذ، لكن القصيدة لا تترك لك الفرصة لتحار طويلاً في كيف تدخل إليها..
الصورة الشعرية :
لم يتبيّن الشاعر “عبد الكريم الخالقي ” ألوانا بعينها في تأسيس صورته الشعرية لعل انطفاء الشموع يجيب إذا أمعنا في الظلام ، ونرى كي وطد إقامته في اللغة الأم، وصارت وطنه المجازيّ… صارت وسيلته وجوهره معاً، وصارت قلبه الذي ينبض به ويدافع عنه ويحتمي به من نار وبرد هذا الخراب الروحي الذي أصاب العالم…. ونقرأ له : الوان
لم أتبيّن الوان الليلِ
وَرْديٌّ يَلبسُ وَرْدِيَّاً
..ويُخفي ..عنّي الباقي
قلبي يقولُ أسودَ ليلي
وأبيضَ ..في أحداقي
يا جنَّةَ شَّامٍ في الأعلى
وأعلى الأعلى..عراقيّ.ص135

اللحظة الشعرية :
يرى الشاعر ثمة لحظة شعرية تتوسل الراسب التحتي حسب (جاك دريدا) للتغلب على ذهنية هذه الأمة الموجوعة، ويشترط في مسارها الشعري طرازاً مختلفاً في توليد المعاني وتشكيل المبنى، ليضعنا أمام هيولى غامضة تختزل اللغة في سفر اللغات إلى رؤى بألوان الليل، تتطلب منا طاقة الاحتمال والتنبؤ في الأعلى.. ذلك كله بالاشتغال على أقصى خفايا المجهول.. و في ذلك يقول :
في مَركن المعنى /تركت مجاز اللغو /فاخلعيني../ من كتاب اللغة المنسوخة /أنا لا أعاد ../ولا أستنسخ ../أنا أمحو السابقين ../ص-21
حبائل المعنى :
وقد أدرك “الخالقي ” هذا كله ، فيحزم حقائب المعنى باتجاه ..اللا اتجاه.. ويأخذ الشعر إلى تفاصيل الهزيمة .. “الخالقي” يعالج هزيمته بالحب ويخدع المتلقي بأغاني الأولين ،لكن حقيقة يرتب له كمائنه الشعرية يضعه على أول حبائل المعنى ثم يترك له أن يكمل نصف الجريمة /القصيدة ..
ويبوح بما يشجيه في رحيل المرايا والصورة الشعرية هنا تدل عليه ولا تخلو من “دمعة السؤال”:
الليلُ مَنْجاتي
يأتي ويَرْتَحل
والحرفُ كالجُرْح
يبكي فيَنْدَمل /ص- 84
اللون السرّي:
الصمت هو الطريق الى سيمياء الكلام ، لذلك يمضي بنا الشعر، ويتوغل في الأعماق السحيقة ويكسر جدار الصمت من لحظة النطق الأولى للاوعي، ويمرّ على رُضاب الكلمة، ويبتكر لونها السرّي كي يدخل معها مملكة اللحظة الشعرية ، هذه اللحظة التي تصنع له أجنحة من ضياء ونحلق معه تحت أجنحتها في ملكوت النص لنمارس الاصطفاء الإبداعي لألوان الحب /الشعرية الأخرى.. ونجوب عوالم الحب الأخرى عبر الترقب والاشتياق والخوف من المجهول ،لكنّه ..الصمت :يا منبت الماء ما
ما عادني الجمل
ودّعته الصبر
والصمت يعتمل
لن أغلق الباب
جاؤوا أو ارتحلوا
لا غيري يا وطني
يدري بما فعلوا
لكنه الصمت
كي ..لا تبرك الإبل /ص-91 -92
تعدد الأصوات:
في هذا الصمت أكثر من صوت ،ودون أن يحصل التماهي ،كانت هناك نوافذ مفتوحة بين كل هذه الأصوات ،عبر لغة بسيطة شفافة معبرة ،تكشف عن مشاعر إنسانية نبيلة وصادقة ، الحب هو سيد الموقف عبر الترقب والاشتياق والخوف من المجهول ، وتحرث صورة الغياب هذه اليقينية بعصافير السجون ، وفي الغياب تحضر التشظيات والاحتراقات الروحية والعصبية ،مما يجعل الشاعر يبحث عن الألوان اللغوية الأخرى في سجن الطيور، وإذ يفعل فيجعل الأقفاص واسعة فيصمت القلب لحظة الارتقاء..ثم يعلو ..في الجواب ويرتفع صوت الشاعر محذراً :
” احذر ..عصافير السجون
هذا الفتى البريء
يَلعق بعض من ماء الله
في أدغال وحدته ..
ويحرق نص أدعية الطيور /ص-58
التفاوت البصري :
رسم “الخالقي “حلقات الصراع المترابطة بين سلطتي النص والابداع وترك للقارئ وسيلة البحث عن مقولة الزمن عبر التفاوت البصري الخادع في اللون ولمحت ذلك منذ البَدْء، عند لحظة الإهداء، وتحديدًا عند لحظة التحام العين بالعنوان ،والشّكل مع المضمون التحامًا لم يجعل لي هذا المطروح الشعريّ مجرد لعبٍ بالألوان..
بل حقق الحضور الوجودي ووازى الزمن الدائري بوصف هذا اللون من الحب يحمل انعتاقاً للروح من استبداد المادة وشهواتها ،والانفتاح على الفضاء المطلق بكل تجلياته الروحية فيما يسعى إليه من حب وجمال و رغم هذا يعترف أن كل حروفه منافي :
أنا أعترف..
ولست أخاف اعترافي
درّبت قلبي كثيراً..
لكي لا تخافي..
للغناء
للموت أو للجنون
فكل حروفي منافي..
خَمَّرتَها في دمي..
ووثقت فيها اعترافي/ص-96
الانحياز للتعبير الصوفي:
فمن تأمل هذا النص أدرك قدرة “الخالقي ” على الاستعارة التصويرية المحمولة على لغة الانزياح والانحياز للتعبير الصوفي .. كما في قوله :فالصدق ..
فيه خراب القلوب
وحذرته أن يكشف وجده
ويتابع قائلا: و حصّنته
بنشيد المريد..
يحبُّ كما يشتهي أن يحبَّ..
ويبقى الأبيُّ الشديدْ
عصيَّاً على ..طعنات الظلام/ص-52
يبحث “الخالقي ” عن أداة لغوية أكثر كثافة فلا يجد أمامه إلا القول الصوفي.. لغة الوجد والمريد وهذه اللغة لا تؤخذ بظاهر الدلالة المعجمية ( الوجد ، الكشف ،المريد ) وإنّما تحتاج إلى فك رموزها و تأويل دلالتها..كما نراه متبعثرا في حنايا الصمت عائدا بلغته للحكم القديمة يتهجاها ويراسلها ويسائلها” : كيف لمن ..يكسوه العراء أن يحرق ..ريش الكواسر؟ /ص-115
لا إجابة واضحة هنا.. فالشاعر لعله هنا قد تجاوز لغة العقل إلى علم الباطن وحاول تعرية القلب والكشف كي يجسد وعياً فاعلاً لكيفية فهم اللغة الأخرى التي يستعملها العاشق الصوفي في معارجه ومقاماته الروحية وهذا ما نفد إليه”الخالقي” بوصفه في لغة الحب خلاصا لأمته الموجوعة من العبودية والذل والجوع والفقر والتشرد ، في قوله: “يا خالقي ..امنحني لحنا/يليق بانهيار المعنى ..في نص عقيم/ وحروف.. مارقات/عن طاعة اللغة الخصيبة /-ص 103
الرمزية وخط الأفق:
لقد اعتمد على هذه الرمزية كي يعبر عن خيبته بأيديولوجيات وأفكار رمّز لها بانهيار المعنى (في نص عقيم ) وهذا النوع من الرمزية يحتاج إلى متلقي فطن ومتابع لخط السرد /نبض الحب/اللغة في المتن الشعري وتعرجاته ، كي يمسك خيط الفكرة ويتمثل معناها باعتبار اللغة -كما يُعبِّر عنها رولان بارت- خطُّ الأفق الذي تلتقي عنده السماء بالأرض؛ فهي الوسيلة والمقياس الذي نرسم ونحسب به حدودنا.

معاقرة اللغة :
نتابع حركة الألوان في “الخالقي” فنراها معاقرة اللغة حتى يعجّز َ أحدُهما الآخر َ عن طريق البحث عن الذات، الانتقال من العمى الى البصيرة، من الظلمة الى اللون، من الداخل الى الخارج.
عبر هذا التفاوت البصري الخادع في اللون ،وبهذه اللغة /الوسيلة / الألوان الأخرى يقفُ “الخالقي ” عند خط البصر محتجّا ضدَّ كل المعاني التي تُشكِّلنا وتُشكِّل زليخة أخرى، ويكون فيها بمثابة النبراس الذي يضيء لنا كل العتمة التي خَلَقَتها وشوّهتها العقول الضيقة و أومأ بلطف إلى صورة زليخة هذا الزمان.. ولم يكلف الشاعر إلا هذا السؤال العقيم والبريء من علامة السؤال:
سؤالٌ عقيمٌ
كيف تريدُ من الغُصْنِ حين ..
ييبس..
يعودُ إلى شكله المُستقيم ..
عديمُ الجوابِ مُلامْ../ص-209
يعمل “الخالقي” على إنتاج لغة تكون أقرب ما يمكن من الوعي ويذهب في رؤيته للشاعرية الرؤيا الأورسطية على نحو أن “الشاعر لا يحاكي ما هو كائن،ولكنه يحاكي ما يمكن أن يكون ،أو ما ينبغي أن يكون بالضرورة أو الاحتمال” ..ويمضي الشاعر في ثبات نحو ..تيجان المعاني فيقول “: انتظر ..قد وعدت الريح فجراً ..وعدَ حرّ ..بين زهريّ وأحمر ..حرفي من قلبي يمرّ..نحو ..تيجان المعاني /ص-160
السحر المريمي :
نتساءل حقيقة في الواقع ونحن نسافر من نص إلى نص من نصوص الشاعر عن سر الأذان في كنيسة القيامة و الثراء في الذاكرة، بين الهوى والهواء ، بالهذيان واليقين وحضور هذا السحر المريمي إلى جانب السيّاب في البصره ؟
إنه يمارس مكراً شعرياً رائعاً إلى الحد الذي يقوم فيه بتعطيل حسنا البصري لبعض الوقت، إلى أن نطلب من الرَّب الرجاء كي تتذوق من دهشة الشعر ونعيش معه للقضيّة ،وما ألطفه من رجاء : أيُّها الرَّبُّ أغثني
وأعدْ وجهي إليَّ..
قدْ حسبتُ القلبَ..ماتَ
كنتُ حمَّالَ وجائعْ ..
وجراحٍ ..في يدي ..
فأغثني يا إلهي ..
كي أعيشَ للقضيَّة /ص-177
خلاصة المعنى : الانسان الشاعر صاحب القضية ( ينشيء من العالم المفروض عليه عالمه الذي يحلم به ..) كما يقول بول ايلوار .. كونه يمثل قمة الهرم الوجودي بوعيه وقدرته على قراءة الواقع بأبعاده المتعددة ويلونها بألوان الحب التي لا تنتهي إلا عندما ينتهك سر الكلمة.
والكلمة لها الفصل في الألوان و التصدير ، قد تمت كإشارةٍ خفيةٍ بين أنا في الأنا ، والأنا في الجمع ،فما أن تبدأ بالنظرة الأولى، حتّى تتنحَّى من مراقدِها الفسيحة النجوم ،و تنتشر الفتنة في غيمة الميعاد ، ويأخذكَ الشغف إلى تحت الجدار.
غير أن تلك البداية، قد ترفعُ نبضَها إلى الأعلى، وقد تكون عابرة على عتبات البيت ، كامرأة تخيط من لغة الغواية ثوبها ،ولا تتابعُ خَيطَها ،فتمرُّ إبرَتُها ..لخِنصرِها ..فتصيح ، وقد تكون طفلة في الريح لا تُرَدُّ ولا تُصدّ.
لغة ,امرأة تسكب ماء الصبح ، تبزغ فجأة في المسافة الفاصلة لإعداد الضوء، فتقودك إلى دمعة السؤال كزرقاء اليمامة ..هكذا، تبثُّ حواء القصيد إشاراتها للعاشقين، فهناك من يلتقطُ المحارة من بحر القوافي، وهناك من يبحث في الروِيّ، وهناك مَنْ لا يلتقطُ لا هذه ولا تلك، أو يمضي باتجاه اللا اتجاه بين مقتولٍ وقاتل فيعود للموت أو للجنون لأنّه ضيَّع وجه الإله .
وختاماً .. يُمكنني القول :إنَّ الإنسان -وعبر دهاليز الحبر- يخلق كائنات تراوده الظلّ والشك ؛ بمعنى أنه يطهّر نفسه من الأوهام، صانعًا من ذلك كائنات مُنفصلة ومُستقلة تجوب الآفاق وتعلن العصيان مثله.
وهكذا نرى أنّ الشاعر يعيش في عالم مائي بدون جزر ولا فواصل بينها ،أي بدون حدود ، فقدم لنا مخلوقاتٍ و ألوانا أخرى للحب ، فكانت قصائده /مخلوقاته في الحقيقة مرآة لرؤيته الى الواقع ، وبدت في ثوب أخاذ ،وهي وإن كانت لا تستطيع أن تمشي في المسالك البريّة ،لكنها تحفظ اللاءات عهدا التي تحمل اسمه؛ و تجري شعريتها في أكثر من صيغة فنية و بالهوية التي انطلقت منها أولا كأبيها، ومن ثمَّ تشكَّلت من مقام العناد ،و أصبحت غير عابئة بالمهالك الكونية.. “ويقولون “شجيع كأبيك ..ستغني “نجمة الاتحاد في جبين البلاد” والزمان يعاد ../ص-82
كوكب الغزل التونسي
وختام القول : عندما تشرب رحيق المعنى ستصاب من دهشة ألوان الحب إما بالصمت أو الاعتراف ..
وعليه نعترف : إذا كان سعدي الشيرازي قد لقب بكوكب الغزل الفارسي ،فان الشاعر التونسي “عبد الكريم الخالقي ” جدير ان نلقبه بكوكب الغزل التونسي بعد اكتشافه ( للحب ألوان أخرى)..
ــــــــــــــــ
*الصورة الفنية في شعر الطائيين 092
**نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين ،د.ألفت كمال الروبي:0277



أحدث المقالات