حمدى السقا يكتب/محمد عبد القوى حسن بين عذوبة وواقعية صلاح جاهين وتمرد احمد فؤاد نجم وجلباب وثورة الأبنودى

بقلم : حمدى السقا


كم أستمتع بقراءة وسماع الشعر من الشاعر محمد عبد القوى فشعره ثرى باللفظة واللهجة الصعيدية والعامية الأصيلة وكم هو يجمع ما بين اللكنة الصعيدية الجميلة ولهجة أهل الدلتا وكان لى شرف استنباط الكثير من مفرداته فى معجمى مفردات العامية فى لهجتنا المصرية
وربما أبدأ من رباعياته الرائعة ونختار منها
جوه ارقاب القزايز
كل اعناق العزايز
دى جزاة الصبر واﻻ
المخرج هوه اللى عايز
ونجد بصمته الجنوبية فى الشطر الأول من الرباعية فى لفظة أرقاب وهى مفردة متداولة فى صعيد مصر يقابلها فى شمال مصر وريفها رقاب ولا انكر اننى حين بدات بقراءتها ظننت أنها من فن الواو وإذا بها رباعية عرجاء لا تقل جمالا عن غيرها وما أجمل تعبير العزايز وهو جمع عزيز ولكن على طريقته الجذابة وكذلك الإستثناء فى الشطر الثالث يجعلك تستعجل قراءة الشطر التالى له
وكم تشعر فى هذه الرباعية بموسيقى مفردات الأبنودى مع اختلاف الفكرة والأسلوب أكيد فلعبد القوى نكهة خاصة فى كتاباته
أما عن قصائده القصيرة والتى تحمل التوجيه والاستدلال والتلميح الذى يعرف مقصده وتوجهه ويحمل بين طياته التورية مثل قصيدته موزع القمصان وهى قصيدة طويلة نأخذ منها على سبيل المثال لا الحصر…
وحكيت عنه ف قصيدتى
ياموزع القمصان
وقلت بعلو حسى
هايولع الدكان
واتحققت نبؤتى
وعملها اﻻلعوبان
وشوية الفاشلين
اللى مالهمش دين
بيصرخوا ويولولوا
وهما اللى مولعينها
بايديهم من زمااااااان

فهذه القصيدة بالتحديد تحمل من التورية الكثير ولا تعرف مقصده إلا مع أخر كلمة بهذه القصيدة ربما على طريق من هو … فحين تستهل بالقراءة وتجده يقابلك بندائه يا موزع القمصان .. وتقف تنتظر منه فى الشطر التالى من هو المقصود بموزع القمصان ولكنه يفاجئك ليس بوصفه ولكن فى دلالاته وأفعاله فيرد عليك بقوله حيولع الدكان .. وتقف وتزداد حيرة تنتظر من هو .. ولكنه ما زال فى الشطر التالى يزداد غموضا وتشويقا بتغطية مقصده بإظهار أعمال هذا الألعوبان المقصود … وتزداد شوقا وتصبح أكثر فضولا من المقصود … وننتظر عساه يخبرنا فى الشطر التالى عنه فيرد علينا ببعض الإشارات إليه مثل الفشل وعدم التمسك بدينهم ويزيد على لسانهم اوصافهم فى قوله …
بيصرخوا ويولولوا
وهما اللى مولعينها
بايديهم من زمااااااان

وبهذا يختتم قصيدته ويتركك فى حبل طويل من التفكير والإشارة .. ولا أجد له من قول إلا أنك أبدعت شاعرنا
و امتداد لأشعاره المميزة بالتشويق ويجعلك فى فضول دائم حتى تنتهى من قراءة قصيدته ننتقل لهذه القصيدة ..
دا واد كداب
ماتصدقهوش
وبتاع اشاعات
ف الصدق مالوش
بيعمل م الحبه اوبه
وطلع ياجماعه بمبه
وكان منفوخ ع الفاضى
وعاملى فيها قاضى
دلوقتى طلع فاشوش
ماتصدقهوش ماتصدقهوش
ومن أول شطر قراته سألته صديقى الشاعر من هو هذا الواد الكداب وكالعادة بدلا من يجيب عن تساؤله وتساؤلنا يسرد سماته وصفاته يؤكد وصفه السابق بأنه كداب مثل ترويج الاشاعات وأخلاقه وصفاته وينتهى فى نهاية قصيدته بالنصح بعدم تصديقه ويتركك فى حيرة من أمرك ويكسر فضولك عن معرفة بطل قصيدته تاركا إياك التعميم لكل كاذب وناهيك عن الأخذ بالمظهر الخارجى … أبدعت شاعرنا
ولكنى أقف عند قصيدة له كتبها منذ أكثر من ثمانية عشر عاما … فحين تقراها تشعر بحداثة حداثة كتابتها وكأنه يخبرنا عن واقع ملموس فى الوقت الحاضر .. كما لو كان متنبأ بما يحدث الآن وهى رائعته ..
اربع بنات وامهم
والتالته مش بنتى
بيدورا في كومة قش
وبلهفه على خيبتى
خمسين سنه
والقش مش كاشف
وزيد على الخمسين ربع قرن
مش عارف
مش عارف احسب
فى المعمعه مش عارف
ضاعت وليفتى
ولغيرها مش شايف
طب كبف نرجعها
ونداوى مواجعها
نضرب ودعها
طب ليه
ما احنا عارفين اللى باعها
ورهن حلقها وبلعها
واحد سخيف هايف
ولكنى قبل أن أتحدث عن القصيدة كم أبهرتنى مفرداته العامية الملكونة بلهجته العذبة مثل .. كومة قش .. المعمعة .. وليفتى .. مع وقوفى و تأملى لهذه اللفظة وليفتى .. وكيف ألصق بياء الملكية لها .. فمن المعروف فى لهجتنا الجنوبية بأن الوليفة هى أنثى الحية .. وحين تدبرت المعنى فوجدت أن عند فقدان الوليفة للحية فإنها تكون أشرس ما تكون حتى تجدها .. هنا أبهرنى تعبيره .. وكم وقفت عند إستدلالاته للتعبير عن الوطن وأحواله بإشارات رمزية معبرة
وكذلك وقفت عند لفظة المعمعة ولا يعرف تداولها ومعناها إلا من عاش وتعايش وسط أهلنا فى الجنوب أو أهل ريفنا فى الشمال وهى وقت شدة النزال والقتال وهنا لا يعرف أحد أحدا لفظة معبرة جدا تناسب الموقف والحالة الشعرية المزامنة لذلك حينما أتت ضاعت وليفتى استدلال على تصميمه لعودتها وكان ربطا للمعانى بعضها البعض
أختم لمساتى بقصيدة من العيار الثقيل نظرا لكثرة المفردة العامية التى كادت أن تنقرض مع الأجيال الشابة وأتحدى الكثير من الشباب لمعرفتها وكذلك الكثير من أبناء الحضر
وهذه القصيدة هى ..
نقف ع السكه
ونودع
لوارى تقيله تقل الحيل
وف اكعابنا الشقوق تبصم
على الطرقات
فترسم بالسواد دمى
على اﻻسفلت
خرايط ويل
برغم ان اﻻيدين تسهر تنقى اللوز
لكن نرجع ماف ايدنا شى
ماحققناش
مع التقييله حلم العام
فيتحشرج حلمنا ف الحلق
ع الترعه
نجرى الحلم ونصبر مواويلنا
السنه الجايه باذن الله
هانقدر نشترى هدمه
وبعديها بسنه تانيه
نربى كتكوتين للعيد
ندخن تحت قدرة حظنا المحنى
موالبد الهموم تكبر
وتتجدد بدون مواعيد
سنابل فاضيه وﻻ راضيه
كهارب العتمه مش قاضيه
نسايم حرقه جوه وريد
ولنبدأ أولا باستخراج اللفظة الدارجة التى كادت أن تندثر من قاموس مفرداتنا مثل … تقل الحيل .. فيقال للرجل حيلك أو قوم على حيلك ..
اكعابنا الشقوق تبصم
على الطرقات
أبدعت فأبدعت .. معاناة لا يعرفها إلا كبار السن من أبائنا .. وما أجمل قولك شاعرنا تبصم على الطرقات
فترسم بالسواد دمى
على اﻻسفلت
أكثر أكثر من رائع شاعرنا صورة شعرية مبهرة
برغم ان اﻻيدين تسهر تنقى اللوز
واللوز المقصود هنا لوز المكسرات ولكنه لوز القطن .. والعجيب ان شاعرنا يقول تسهر تنقى اللوز .. والمعروف ان جمع القطن يكون نهارا وليس ليلا حتى يسهر على جمعه .. فما أبهرك شاعرنا الرائع حين تجعلنا نسهر فى النهار .. أبدعت
مع التقييله حلم العام
أتدرون ما التقيلة سيرد الكثيرون بانها النوم فى الظهيرة وهذا ظاهر القول لنا ولكنها فى موضعها هو الاستراحة بالحقل لوقت قصير لمواصلة العمل وكان مكن المعروف فى ريفنا المصرى أن موسم حصاد القطن يترتب عليه أمال العام من زواج الأبناء والسفر وبناء المنازل .. ولنتخل صورته الشعرية بانه فى تلك التقيلة للراحة كمل ما يفكر فيه ليس الراحة ولكن فى ما يحصده لتلبية القليل من طلباته
ونصل للفظ .. الحلق … ولا يعرف معناها ولا منطقها إلا من اشتد ظمأه فى شدة الحر .. وهو الحلقوم .. وهى لفظة تدل على الضيق والشدة .. أبدعت شاعرنا .. وأحسنت بل أجدت فى توظيف مفرداتك التى كادت أن تندثر
ويواصل تألقه فى وصف المعاناة التى كانت علما وشعارا لأهلنا فى الريف فرغم كل هذه المعاناة فقد ضاع حلمه وسط أنين تعبه ولم يستسلم إلا بغناء مواويله و بزوغ الأمل فى موسم جديد فى قوله
السنه الجايه باذن الله
هانقدر نشترى هدمه
وبعديها بسنه تانيه
نربى كتكوتين للعيد
رغم كل المعاناة والفشل فى تحقيق حلمه فهو يعيش على أمل البقاء
محمد عبد القوى نمط جديد ومدرسة جديدة فى شعر العامية وتجديد فى هيكل القصيدة العامية



أحدث المقالات