تمرُّد الذات بين الحب والحرية في شعر فاطمة يونس.. قراءة : الشاعرة د.أحلام غانم

قبل البّدْء:
عندَ فاطمةَ ينبت الحبُّ كالنخل المريمي وتعلو منارةً، تَهدي شريداُ أو توضّئُ شاعراً..
استهلال:
المفردات هنَّ عصائرُ الروح العاشقة ،وكلما كان فضاء المفردة أكثر نقاءً، كانت الروح أكثر تحليقاً في عالم الحرية لأن أقصر الطرق إلى جوهر القصيدة/الحرية فهي بوّابتها اللغوية .
ربما يوضح هذا الاستهلال بشكل أدق قول سقراط: “إن الرجل الذي يختبر ألغاز الحب سيصبح على تواصل مع الحقيقة نفسها وليس مع انعكاسها”.
“حبك حريتي “:
يؤكد صوت الشاعرة اللبنانية” فاطمة يونس ” في كتابها “حبك حريتي ” في هذا الموضع استطاع أن يتّحد مع صوت سقراط الذي يضجُّ بفلسفة الحب والوجود والانتماء وأن تقتنص لحظاتٍ من الزمن الماضي من أجل ممارسة الإسقاط على أفق الحاضر .
فاطمة واسمها مترابطان “فاطمة يونس” كما إن الجلالَ والجمالَ مترابطان”، لذلك نلتمس أن الإهداء اتسم بروح شاعرية قوامها المجاز والاستعارة والكناية.
أسلوب عاشق :
ثمة أسلوب عاشق يمتح من لغةٍ ذات مستويات تعبيرية متعددة وثرية ، ضاجة بأسطرٍ شعريةٍ تتناسل في دلالاتها حرائقُ وأوجاعُ الأنثى.
بدتْ للمتلقي الواعي مسكونةً بالكلمات وبالأفعالِ وبالأسماء ، واستطاعت أن تعبّرَ بشعريةٍ عن مساحة الحرية التي تتمتع بها مع مَن تحب، وأن تتّحدَ مع من تحب وتعبّرَ بمحبة عن قيمة الحرية كما عبّر عنها شاعر الحب والحرية “بول إيلوار”:
الإنسان الذي لا يشعر بمساحة من الحرية، ليس بوسعه أن يشعر بمساحة من الحب، وكذلك فإن الذي لا يملك طاقة من الحب نحو الآخرين، لا يكون بوسعه أن يدرك قيمة الحرية .
الشاعرة في اختيارها للعنوان “حبّك حريتي ” لم تشأ التميز عن الآخر بقدر ما شاءت أن تحدّدَ انتماءها إلى عالمٍ غير الذي تحيا فيه وظهر عبر وسائل التعبير عن غربتها وارتحالها في التيه تقول :
“أريدُ.. الارتحالَ بعيداً
مَطيَّتي نسمةٌ هوجاءُ مَجْنونة
وعدةُ سفري حقيبةٌ..حوتْ
بتلةُ ياسمينٍ ..مراهقةٍ
جوازُ عبوري إلى المجهولِ
حرفٌ أبكمٌ ..كلماتٌ حمقاء”ص-60
مفاتيح التمرُّد :
ثلاثة عناصر مركزية يمكنُ عدُّها مفاتيح التمرُّد في تجربة فاطمة يونس الشعرية، هي: الحرية، والعدالة الاجتماعية، والحزن ،وحجّتها في ذلك “:
أبتهلُ ابتهالَ.. الأنبياء
أسعى لاهثةً بين الكلمةِ والكلمةِ
ثمَّ أطوف سبعاً ..سبعاً
من المرّاتِ”ص-32
هل المبدع عموماً والمتميز خصوصاً يعاني دوماً من عدم الاستقرار النفسي ؟
أم روح الإبداع هي التي تخيم ويكون الواقع مساعداً لها ؟
التجريد الصوفي :
وفي آهاتٍ مماثلة تحدث عند الشاعرة فاطمة ،فتتغنى وتلهث وتطوف بنا مراتٍ ومرات بالألم والأمل، وتتيه في شاعرية التجريد الصوفي من خلال عشق الكلمة والدوران بها والثورة على الواقع المتردي برداءته متأرجحةً بين عَتمة الصمت وخفقةِ القلب.
تدخل “فاطمة ” في شطحات صوفية عرفانية مبنية على العشق والحب النوراني للتأشير على المعاناة الذاتية والتمزق النفسي والهروب إلى الوصال الحلولي قصد تحقيق الرغبات الحلمية والذاتية:
أدفئُ صوتَكَ المكنون ..
وأستمدُ من وهجِ حنانِكَ،..
أنغام الحروف،..
أرسمُ حدودَ المعاني
بين عَتْمة الصَّمْتِ..وخفقةِ القلبِ./ص- 110
الأثر والتأثر:
تلتقي بطوافها مع ميخائيل نعيمة وتهرّب كل أشجانها من ثقوب غرباله، ليتبادر إلى أذهاننا التأثر ويعلو صوتُه قائلاً :” الشّاعر نبيّ وفيلسوف ومصوّر وموسيقي و كاهن “وتبدو لنا فاطمة كل هؤلاء..”أنثى ثكلى,أضناها الغياب .
وهنا فاطمة الحرف ونبيّة اللون تقدّم عنفوانها وغرورها أضحيةً وتمضي خلف جدار البحر كحورية البحر تتراقص على وتر الوجع .
فصول الحب لديها بلا حدود ،لذا ارتفع منسوبُ الحبِّ في شرايينها، فلم يكن حبها عبثياً مقطوع الصلة عن ظروفها، بل كان قائماً على رؤية فنية وتصور ذهني واضح ومعاناة أكيدة، إذ كان الوطن هو المحرك الرئيسي لكل قصائدها، وعليه فقد جاء صوتُها قوياً عاليًا ومؤثراً.
جرعةٌ من الحب :
“ارتفعَ منسوبُ الحبِّ..في شراييني
آخذُ ملءَ قلبي ،..غرفةً ..من تمرُّدِكَ
أتشفُ من نهرِجنونِ غرامِكَ
حتى أتحلَّلَ وأندثر..!!” ص-10
رغم الاتساع الهائل من الفضاء المبين في عوالم الشعر والشجن ، إلا أن الشاعرة ترفض أن ” تقع في فخاخ الزمن المأسور والمعطل وهذا يؤكد أن الشاعرة “فاطمة يونس كانت عرّافة لوجودها ، ومن هنا جاءت حريتُها مدروسةً دراسةً خبيرة ، والنّصُ فياضٌ بالعواطف الإنسانية عن حروفٍ ملأى بالفيض الجميل وغير متكلف بل حياتها هي التي أغنت عشقها بهذا التماهي الواضح بين الحب والحرية .
إن التماهي بين الشاعرة ونصوصها ، وتقلص المسافة السردية او انعدامها أو تقاطعها ،تبرز من خلال قصيدة “كبرياء”:
لن أرتدي أجملَ ما عندي
لأرضيكَ
سأهجر مرآتي
سأضع مشطي ..هناك
في صندوق ذاكرتي
سألقي حُلِيِّ
خاتمي ..عِقدي أقراطي
في قلبِ ..قلبِ العدم
وكُحْلي الأسود ..
سألوّن به وجهَ القمر /ص 54-
تماهي الزمان والمكان:
هذا السرد المشهدي ، يشكل تماهي عنصري الزمان والمكان ،وجوداً فاعلاً ،إذ تشكل مفردات(المرآة)و( الصندوق والذاكرة ) مرتكزات أساسية لتحديد ماهية المكان والحدث ،لكن هذه العناصر متوحدة ب(زمنها السردي) ،واضح الدلالة والتماهي سردياً معها ،بوصف هذه العناصر تمثل أصواتاً مجتمعةً أو منفردةً، تعمق من الإيحاء والدلالة في الخطاب السردي الشعري، مما يكشف عن عمق المأساة التي تصورها الشاعرة بأصواتٍ متعددةٍ ،وليس بصوتٍ واحد .
فيضٌ من الضياء:
رغم خذلان القَدَر لها، لكنه الإيمان القوي بالحُبّ الذي كان يضخُّ الدمَ في مفرداتها ساحت بنا الشاعرة “فاطمة يونس “من قصيدة إلى قصيدة ،وصلّت بنا صلاتها الرافلة في فيضٍ من الضياء ، وأخذت تُبدي من الروائع ما استتر ، وجعلتْ النجومُ تتلاشى، والطيورُ المهاجرةُ لاجئةً ضمنها ،وجعلتنا نحلم، نبكي، نضحك، نحب، ثم تضرم النار في هاوية الضياع دون أن يكون هناك رمادٌ يشهدُ على حبّها وحريتها وتبرر ذلك في قولها :
” في مملكة الهوى ..استرقَّ خَفْقي
جاريةً .. صرتُ لهُ
صِرْتُ ..أمّةً
وأعْدَمَ عشقُهُ
كُلَّ حُبٍّ دونَهُ
فأسكتَ في حنانيَّ رنينَ ..كُلِّ الأجراس”.ص-74
الحرية الشعرية :
تلبس الحرية الشعرية في قصائد فاطمة من بداية الديوان حتى نهايته حلة التشخيص والأنسنة والمجاز الشعري عبر المشابهة والمجاورة الكنائية.
تشيد مسافة ملتبسة وحائرة بين حبها وحريتها ف يرتقي وجدها إلى التجريد والغموض والإبهام الفني ربما القصد ، خلخلة المتن الشعري وإرباك القارئ العادي ودفعه إلى التخييل والتأويل.
الثنائيات المتضادة:
يلعب عنصرا المفارقة والتضاد في نصوص فاطمة ، دوراً بارزاً في الكشف عن أزمة الشاعرة وتمزّقها الوجدانيّ وعدم توافقها مع عالمها الواقع، وذلك عن طريق هذه الثنائيات المتضادة إيجابياً وسلباً: الحياة والعدم ،الحزن والفرح ..النور والظلمة..
صوت الوطن :
وعلى الرغم من أنَّ صوت الغربة هو الأكثر ارتفاعاً وبروزاً، فإنّ صوت الوطن ـ بما أكسبته الشاعرة من نبرات جلال ودفء وإنسانية ـ يظلّ هو الأكثر عمقاً، والأقوى تأثيراً، وهذا ما تبدّى في قولها:”لي في محرابِ روحِكَ ..موطنٌ دائم /كُلُّ لحظةٍ ..وكُلُّ نبضةٍ فيه / أزهدُ ..أتعبَّدُ/كلّما سمعْتُ ..همسَكَ المُتْعب/شدَّني الحُبُّ إليك “/ص-96
وأهم ميزة اتسمت بها الشاعرة فاطمة هي خاصية التجريد الرمزي التي قربت معظم قصائد الديوان من الغموض الفني والانزياح الجمالي والتضاد الممتع.
قصارى القول :
كل شعر فاطمة من عصارة القلب، ومن عبير تمرّدها ، فجعلتنا نرى كيف يتضافر التضاد مع التوازي تضافراً قوياً ومؤثراً، في تشكيل الذات الشاعرة ،وثمة في هذه النصوص صوت أنثى يعلو بالرفض لكل مظاهر القبح الفكري ، والتكفير الذكوري ،يحركها هواجس متعددة وأهمها: إيقاظ الوعي بالذات الأنثوية ويبدو التقابل الجمالي بمثل هذا التقابل تتوحد ذات الإبداع بذات التلقي.
وهكذا نرى تحمل الشاعرة فاطمة هموم الوطن على أهداب مدامعها ،وعليه جعلت لفظ “الحب” محور ارتكازٍ لملكتها الشعرية تتكئ عليه كلّما انتهت من تصوير أحد أبعاد رؤيتها الوجدانية للحب والحرية، لتجعل الثوابت ترسو على ميناء اليقين بالقضية الوجودية ويحثنا معنى المعنى للاعتراف : إنها الاستثناء المتجلّي في ..” حبك حريتي”..الصادر عن المؤسّسة العربيّة للكتاب في بيروت.
ـــــــــــــــــ



أحدث المقالات