عبق المكان في المجموعة القصصية” عطر التراب ” للقاص بختي ضيف الله المعتز بالله

كتب إبراهيم موسى النحّاس:

 

   في مجموعته القصصية الجديدة ” عطر التراب ” التي تتكون من عشر قصص يجعل القاص بختي ضيف الله المعتز بالله للمكان منزلة كبرى في محور رؤيته بدرجة جعلت الناقد محمد نوّار يفرد مقدمته للمجموعة القصصية عن المكان وحده, لكن تلك المقدمة لم تتحدث عن المكان القصصي داخل نسيج المجموعة بل اكتفت بالحديث المطول عن مكان نشأة الكاتب باعتبار المبدع ابن بيئته يتبادل التأثير والتأثر بها. لكن للمكان في المجموعة القصصية أبعادًا أخرى ترتبط برؤية الشاعر التي تجنح نحو الشعور بالحزن بدءًا من العتبة الأولى للتعامل مع النص وهي عتبة العنوان -” عطر التراب”- فالتراب رمز لحقلين دلاليين الأول يمثِّل مكانًا سواء كان هذا المكان هو القبر أو أصل الإنسان أو الوطن, والحقل الدلالي الثاني مرتبط بجانب نفسي يجنح نحو الإحساس بالانتماء مع الحزن الذي لا تخففه كلمة عطر, وتأتي عتبة ثانية من عتبات الولوج إلى عالم النص القصصي في تلك المجموعة وهو الإهداء الذي يحمل ذلك الحس الإنساني الحزين ويقول فيه:

(( إلى التي أسعدتني لبعض الوقت

ثم رحلتْ..

إلى ابنتي ..صفاء..

جعلك الله ذخرًا

حين ألقاه..

وألقاكِ..))

ثم يطالعنا المكان منذ  القصة الأولى ( سر الباب ) والتي يربط فيها بين المكان أي الباب بمفهومه المادي وبين المفهوم الرمزي للباب وهو باب الله الذي ما عليه بوّاب – كما وضّح في الهامش الذي وضعه أسفل العنوان – فيقول في المتن في ص 13 (( طرَق باب بيت مهجور في مدينة مهجورة, مخيفة, إلّا أنّه قتل خوفه ودفنه بين أضلعه وتقدّم بخطى ثابتة, وحاول الدخول لكنّه لم يستطع لأن الباب لم يكن مفتوحًا , وإنّما هي صورة لباب مفتوح)).

وفي قصة ” عند باب البحر” تتجلى براعة الوصف داخل السرد القصصي المهتم بأدق تفاصيل المكان رابطًا بين طبيعة المكان والحالة النفسية لبطلة القصة التي تحدث عنها واصفًا المكان قائلاً في ص 37: (( جلسَتْ في مكان تتعانق فيه كثير من الصخور والأمواج القوية التي لا تهدأ , تتحين فرصة تكون فيه كرمية حرة, لا يصرخ من بعدها أحد…هيّأتْ نفسها..نظرتْ إلى السماء وقد ضاق صدرها …سرب من الطيور يعلن الرحيل , متجهًا إلى وجهة مجهولة ,.. تمنّتْ لو كانت معهم , تعانق الفضاء والمجهول)) ومن الواضح توظيف الشاعر لكلمة ( الباب ) في القصتين بدلالته الرمزية حيث إنّ الباب سبيل للدخول إلى العالم أو الواقع الجميل الذي تتمناه الذات القصصية وفي نفس الوقت الباب يمثل رمزًا للخروج من سلبيات الواقع أو الإحساس الحزين الذي تشعر به تلك الذات.

وفي قصة ” طريدة الأوهام ينتصر الكاتب للمرأة ويعالج قضية الظلم الذي تتعرض له المرأة في المكان- المجتمع الذكوري – من خلال البطلة التي تعرضت للهجوم على شرفها وسمعتها من جميع الألسنة بالمدينة زورًا وبهتانًا وجهلًا , وقد استفتح الكاتب قصته بهامش أسفل العنوان لحديث شريف للرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم يؤكد به انتصار  الكاتب لقضايا المرأة في مجتمعاتنا التي لا تكتفي بهضم حقوقها , بل تتجاوز هذا إلى حد الهجوم عليها وإلصاق التهم الخاطئة بها, وقد استخدم الكاتب آلية التأخير من أجل تشويق القارئ ليتابع قصته حتى النهاية, حيث بدأها برسم بورتريه لشخصية البطلة دون أن يذكر اسمها أو طبيعة حياتها من أجل تشويق القارئ لمتابعة أحداث قصته, فيقول في ص 23: (( تمشي على بساط الخوف والجوع, حافية القدمين, عارية الرأس, بضفيرتين طويلتين تحملان شيب الكبار, تنتقل من شارع إلى آخر, تمد يدها لتقاوم الجوع الذي يلاحقها في كل مكان)).

ومع السرد القصصي الذي تقوم لغته على التكثيف الدلالي نجد الكاتب يستخدم أحيانًا لغة تقوم على الخيال , حيث المجاز الذي يوظف الصور البلاغية الجديدة المبتكرة مثل تلك الصورة الرائعة التي جاءت في سياق لقاء بطلة قصة ” طريدة الأوهام ” مع الإسكافي في ص 24 حيث يقول: (( تصبر على وخز كلامهم المؤلم, كصبره وهو يعالج أحذيتهم المتعَبَة, تطلق دمعتها – أحيانًا – لتكسر كبرياءها وتطرد ألمًا بين ضلوعها…!)).

وفي قصة ” شخصية خارج النص الروائي ” يستخدم الشاعر تقنية حديثة في رسم شخصيته القصصية ص 49, وهي الشخصية الروائية التي تتمرد على مخترعها- أي المؤلف الروائي- وترفض أن تكون كما يريد,فيقول: ((جمع شخصياتها, من ذكر وأنثى, الخيِّرة والشريرة, الغنية والفقيرة, الصغيرة والكبيرة, اجتمعوا كلهم في صعيد ورقة بيضاء يقودهم قلم أزرق يسنده آخر, إلاّ شخصية واحدة كانت عصيّة على أن تكون تحت قبضته, يسوقها كيف يشاء, يقلّبها على بساط الترف والشطط…إنّها شخصية الحمّال الذي لم يعجبه تقمص شخصية ذلك الرجل الثري, صاحب الكلمة التي لا تُرَد)).

كل هذا يجعلنا نقول إننا أمام كاتب يكتب القصة القصيرة بسمات ما بعد حداثية على مستوى رسمه للشخصيات, أو توظيف العتبات – مثل عتبة الهامش – التي تعكس ثقافته وسعة اطلاعه,والتعامل مع اللغة القصصية التي جمعت بين التكثيف الدلالي بسبب تركيز الكاتب على وحدة الموضوع والهدف والانطباع , إضافة إلى المعجم القائم على التصوير المجازي من خلال الصور الخيالية المبتكرة من تشبيه واستعارة, معلنا رقي الغة القصصية وجمالها في التعبير عن رؤيته التي تعطي للمكان دورًا مهمًا في تشكيل الشخصيات, وتحدد بعض ملامح جدلية الذات القصصية بواقعها الذي تعيشه.

 

 

 



أحدث المقالات